اللحظة التي لا تكفينا؛ لأننا لا نكفيها
التدوينة الحادي عشر: الجزء السادس من سلسلة: رحلة إدارك الزمن
هل الاستغراق في اللحظة ممكن؟ وهل يؤثر فعلًا على شعورنا بالزمن كما أظن؟
أنا بطبعي أسرح كثيراً وأتشعب في التفكير، وأعيش في عوالم مختلفة في نفس اللحظة. لكنني مؤخراً بدأت أراقب هذه الطبع، وأجرب مداراة سرحاني، ومحاولة ترويضه.
لذا أكتب اليوم عن هذا الموضوع، لا بوصفه مفهوم نظري، بل كمساحة أحاول أن أفهمها، أختبر أثرها، وأجعل الكتابة عنها حجة علي، ومرجعاً أعود إليه. وهكذا أفعل في بقية التدوينات.
هل الاستغراق في اللحظة دعوة مثالية؟
كثيراً ما يبالغ في وصف الاستغراق في اللحظة من المتحدثين، وفي المقابل يساء فهم الحديث عنها من المستمعين، وكأنها دعوة مثالية، أو مطلب غير واقعي في زحام الحياة.
لكن الحقيقة أن لا أحد يعيش كل لحظاته بكامل حضوره، ولا يطلب منه ذلك. ما يُرجى هو أن نستعيد شيء من وعينا حين نقوم بما نقوم به: حين نصلي، أو نأكل، أو نركض، أو نعمل.
أن نبطئ ولو للحظة واحدة، لنشعر بالحياة كما هي، لا كما تمر بنا.
هل نحن فعلاً "هنا"؟
في كل يوم، نتنقل بين العبادات، والأعمال، واللقاءات، والأكل، والمشاعر، والصمت، والانشغالات التي لا تنتهي، لكن كم مرة وقفنا وسألنا أنفسنا:
هل كنت حاضر تماماً فيما فعلت؟ أم أنني كنت فقط أسرع نحو ما بعده؟
غالباً، نحن لا نعيش اللحظة.
نحن فقط نعبر من خلالها إلى اللحظة التالية.
ننتظر انتهاء الصلاة لنتابع العمل.
نأكل بينما ننظر لهواتفنا.
نجلس مع العائلة وأذهاننا في مكان آخر.
نعيش في المستقبل حتى ونحن في الحاضر.
نسافر لنعود.
نلتقي، نسولف مع بعض ونتبادل الأحاديث كما لو كانت واجب، ثم نمضي.
لكن شيئاً في داخلنا يظل مشغولاً بما بعد، كأن اللحظة لا تكفينا، أو لا نكفيها.
نمضي من مشهد إلى آخر، ننجز ونتنقل، لكن كثيراً مما نعيشه لا نستقر فيه، ولا نلتفت لما بقي فينا منه، أو ما لم يبقى.
لكن حين تبدأ بالاستغراق، وتعيش اللحظة كما هي، دون استعجال ما بعدها، تكتشف أن الزمن لم يكن سريعاً كما كنت تظن.
بل كنت أنت من مر فيه مرور العابر؛ دون أن يقيم.
ماذا يعني أن تستغرق في اللحظة؟
ليس أن توقف الزمن، فهذا مستحيل.
بل أن تمنع ذهنك من الهروب إلى الماضي أو الجري نحو القادم.
أن تكون حيث أنت، لا في مكان آخر.
أن تصلي وأنت مستحضر مقام الله،
أن تأكل وأنت تتذوق،
أن تعمل وأنت مندمج مع المهمة،
أن تمشي وأنت ترى الطريق، لا تفكر في نهايته.
الاستغراق هو أن تعيش اللحظة كما هي، أن تعيشها بحواسك، وتنتبه لأبعادها، لا أن تنتظرها أن تنقضي.
لماذا نفقد الحضور في اللحظة؟
ربما لأننا ببساطة بشر.
لكن، لماذا؟
لأن عقولنا دائمًا:
تعود إلى الماضي، تحمل أحزان الأمس
تسرع إلى المستقبل، تحمل هم الغد
أو ببساطة، تنشغل بما بعدها حتى تنتهي مما أمامها
وهكذا، تمرّ اللحظة دون أن نراها.
ثم، في نهاية اليوم، نشكو أن الزمن كان سريعاً، بينما الحقيقة أننا لم نعش الزمن أصلًا.
لكن لو تساءلنا مع أنفسنا بصدق:
الغد في علم الغيب، لا نستطيع أن نتنبأ به أو نتحكم في تفاصيله، مهما خططنا واستعددنا له.
ولنفترض أننا خططنا، ومرّ اليوم كما أردنا، فهل يمكن أن نجزم أن ما حصل هو الخير لنا؟
ربما ما بدا مرضيا في لحظته، يحمل في طياته ضررًا لم ننتبه له؛ ربما لم يكن هو الأصلح.
فهل يمكن أن نقول بيقين أن النتيجة التي وصلنا إليها هي الخيرة؟
لا. لا. لا.
أما الأمس، فقد مضى، ولا يمكننا العودة لتغييره.
ولنفترض جدلاً أننا عدنا وعدّلنا ما حدث، فهل تظل الأمور على حالها؟ هل تضل المعطيات كما هي؟ وهل يقودنا ذلك بالضرورة إلى مستقبل أفضل؟
ولنفترض أن النتائج بدت أجمل، فهل يمكن أن نقول بيقين أن النتيجة التي وصلنا إليها هي الخيرة؟
لا. لا. لا.
ما نحاول إدراكه هنا أن الخير الحقيقي لا يقاس بالنتائج الظاهرة، ولا بنجاح الخطط، ولا يُحتكم فيه إلى شعور عابر بالرضا.
فالخِيرة ليست دائما في الحدث نفسه، ولا في نتيجته المباشرة التي تهمنا لحظتها، بل قد تكون في أثر أبعد، ونتائج غير متوقعة، تتولّد من ذلك الحدث، وتمس جوانب أخرى من حياتنا، لا نربطها به عادة.
قد يكون ما بدا سلبيا في لحظته، قد حرك فينا وعياً، أو صرف عنا شراً، أو فتح باباً آخر لم نكن لنلتفت إليه لولا ذاك الانغلاق الأول.
ولهذا، لسنا مطالبين أن نفهم كل شيء، بل أن نطمئن، ونسكن للحظة التي نعيشها، فهي وحدها ما نملكه حقاً.
والخيرة، كما قيل، فيما اختاره الله، لا فيما بدا لنا مناسباً لحظته.
فلماذا نظل نعيش بينهما؟
لماذا نظل نُحمّل اللحظة ما قبلها وما بعدها؟
ربما لأننا بشر، ضعفاء، منشغلون، قلقون.
ولأن الشيطان حاضر، لا يسعده أن نطمئن، ولا يرضيه أن نكون في سلام.
يشغلنا عن اللحظة، عن الحمد، عن الطمأنينة.
فكل حضور حقيقي يغيظه.
لكن، ماذا لو حاولنا أن نستغرق بدل أن نضيع فيها؟
أن نعيد هذه الجُمَل في أذهاننا، نقلبها يمنة ويسرة، نفكر فيها، نربطها بالقضاء والقدر، نؤمن بلطف الله؟
ماذا لو سلّمنا قليلًا، فاستقرّ فينا الحضور؟
ربما؛ في لحظة ما، حين نهدأ، حين نصدّق، حين نرضى، نبدأ فعلاً في أن نستغرق في اللحظة.
كيف يغيّر الاستغراق في اللحظة إحساسك بالزمن؟
حين تبدأ في الاستغراق، تلاحظ شيئاً غريباً.
الوقت لا يتسارع كما اعتدت، بل يبدو أطول، والدقائق تمتلئ بالمعنى، كأنها تفتح مساحاتها من الداخل، والساعة الواحدة تحمل وزناً شعورياً، كأنها يوم كامل.
لأن العقل حين يكون حاضر لا يمر على اللحظة، بل يفتحها، ويصنع منها تجربة أغنى وأعمق وأبطأ. والزمن في النهاية ليس ما تقيسه الساعة؛ بل ما تعيشه في وعيك.
في الصلاة:
هل تصلي وأنت مستحضر مقام الله؟ هل تستشعر مواطنها، وهيئاتها، ومعانيها، وإشاراتها، ومواضع السكون والحركة فيها؟
هل تصليها عادة، أم عبادة؟
هل أنت مع الآيات التي تقرؤها؟ مع الدعاء الذي تنطقه؟ مع الذكر الذي تردّده:
الله أكبر، سمع الله لمن حمده، الحمد لله، سبحان الله، سبحان ربي العظيم
هل أنت حاضر في هذه الكلمات؟ مستحضر لمعانيها؟ متأمل لأثرها في قلبك؟ أم أن ذهنك مشغول بالهاتف الذي ستتفقده بعدها؟
إذا كان الحضور في الصلاة طريق للحضور مع النفس، فلماذا نصلي ونحن غائبون؟
وكيف نرجو أن نستغرق في لحظاتها ونحن لا نعيها؟
الصلاة لحظة تتجاوز الزمن، لا تقاس بالدقائق، بل بعمق الحضور؛ وإذا لم نحسن الاستغراق فيها، فكيف نستغرق في بقية لحظات الحياة؟
في العمل:
هل تعمل وأنت منغمس فيما بين يديك؟ أم تعمل وأنت تفكر متى ينتهي اليوم؟
هل ترى العمل فعلًا له معنى في ذاته، أم مجرد جسر لما سيأتي بعده؟
هل تؤدي المهمة، بينما ذهنك مشغول بالمهام الأخرى؟
وإن كان العمل يأخذ نصف عمرك، فلماذا لا تعيشه بكامل وعيك؟
أليس في العمل دروس حياتية، تضاهي تلك التي تعلمناها خارج أسواره؟
قد يبدو الحديث دعوة إلى المثالية، لكن حين يكون نصف عمرك في العمل، أليس من الحكمة أن تتعايش لتعيش اللحظة؟ أن تتحايل على نفسك قليلاً حتى تصدق؟
الخيار متروك لك، ولي أيضاً
في العلاقات: هل تراهم فعلاً؟
حين تجلس مع عائلتك أو أصدقائك، هل تراهم فعلاً؟ أم تنظر إليهم بعينيك فقط، بينما ذهنك في مكان آخر؟
هل تنتبه لنبرة الصوت؟ لتغير الملامح؟ للحظة الإنسانية التي أمامك؟
هل ترى التردد في السؤال؟ أو البهجة العابرة في الوجه؟
هل تلتفت لصمت أحدهم الطويل؟ أو نظرة لم يطلب بها شيئاً، لكنها قالت كل شيء؟
هل تمسك بهاتفك وهم يتحدثون؟ هل تنشغل بشيء آخر بينما من أمامك يمنحك وقته؟
إن كنت تفعل، فربما لا تتحلى بالأدب الكافي في تلك اللحظة، وأنا كذلك، كلما فعلت
لمن تعيش هذا اللقاء؟ لهم؟ أم لما بعده؟
هل تفكر في نفسك؟ أم فيهم؟ هل أنت معهم حقًا، أم تجهّز ما ستفعله بعد أن ينتهي الحديث؟
خاتمة
الاستغراق في اللحظة ليس رفاهية، بل وسيلة صادقة لعيش الزمن كما هو، بدلًا من أن يمر بنا ونحن غائبون عنه.
في كل يوم، نصلي، نعمل، نأكل، نمشي، أنشطة نمارسها مرارا، لكنها تفقد معناها حين نؤديها بلا وعي.
فليس الحضور ترف ذهني، بل طريقة بسيطة لنلتقي بأنفسنا من جديد، ونعيد شعورنا بالزمن كما ينبغي.
أن تعيش اللحظة؛ يعني أن تمنحها حقها، وأن تمنح نفسك فرصة للصدق معها، لأن اللحظة الواحدة حين تعاش بوعي، تصبح أوسع من وقتها، وأعمق من ظاهرها.
أيها الإنسان:
لا تكتفي بالوجود الجسدي.
كن قلباً حياً بين من تحب.
لأن اللحظات لا تعوض، ولأن من أعظم النعم، أن تحبهم وهم يرونك، ويسمعونك، ويبادلونك الحضور لا الغياب.
فلعلّنا نستفيق، وننتبه للزمن لا كما تقيسه الساعات؛ بل كما نعيشه في وعينا، ونمنحه من حضورنا، قبل أن تمضي تلك اللحظات التي لا تعود.
في التدوينة القادمة، سنستكمل السلسلة، وسنتأمل كيف يمكن للإبطاء الواعي أن يكون امتداداً طبيعياً للاستغراق، وكيف يصبح التأني وسيلة لا لاستنزاف الزمن؛ بل لاكتسابه.
إذا وصلت إلى هنا، فشكراً لصبرك وقراءتك

🤍
تعجبني مقالاتك استمر وفعلاً عجبني الكلام كثير ارجوا منك الاستمرارية💗