كيف تختزل لحظة عمري؟
التدوينة الثالثة عشر: عن الشعور المؤقت حين يزاحم كل ما راكمته الحياة
أشعر أحياناً أنني بلا قيمة.
ليس لأنني توقفت عن المحاولة، ولا لأنني فشلت في شيء كبير، بل لأن هذا اليوم، أو هذه الساعات، لم أُنجز فيها ما كنت أتمنى.
شعور ثَقيل، يُخيل إلي أنه يلغي كل شيء.
لكن حين أنظر بصدق، أجد أن هذا الشعور لا ينبع من الحياة كلها، ولا من وجودي في عموميته، بل غالباً ما يتشكل من سياق ضيق ومحدد.
أحياناً يكون هذا السياق علاقة، أو موقف اجتماعي، أو قرار مؤجل، ونحو ذلك.
أما اليوم، فكان المثال هو العمل؛ هو السياق الذي نشأ منه هذا الشعور. غير أن هذا لا يعني أنه السبب الوحيد الذي قد يُحدث هذا النوع من الضغط أو الإحساس بعدم القيمة. فهذا الشعور قد يتكرر في سياقات مختلفة، وبأسباب متعددة، وعلى فترات زمنية متفاوتة.
وحين أتحدث عن العمل هنا، لا أعني رسالته أو غايته الكبرى، بل أقصد المهام اليومية المتراكمة، أو المتعثّرة، أو التي تتجاوز قدرتي الإنتاجية، والتي جرّت معها شعوراً بأنني لا أُنجز كما ينبغي.
بل حتى داخل العمل نفسه، ما أثقلني لم يكن كل مهامي ومسؤولياتي، بل تفاصيل منها، أمر تأخّر، أو لم أبدأ به، أو لم يظهر أثره، وظل عالقاً في ذهني.
هذه الجزئية لا تمثل أكثر من 20% من عملي اليومي، والعمل نفسه لا يُمثل يومي كله، واليوم لا يُمثل حياتي كلها، بل لحظة من عمر يمتد إلى 32 سنة.
لكن الشعور كان يُقنعني أن هذا الجزء هو أنا.
لكنني حين أُبطئ هذا الاستنتاج، وأتأمل جذره الحقيقي، أدرك أن ما أشعر به الآن؛ ليس إلا شعور ناتج عن فترة زمنية محدودة.
ربما يوم، أو عدة أيام، أو حتى ساعات، حصل فيها شيء لم يكن كما أريد: تعثّر، أو ضغط، أو فتور، أو ببساطة سياق عام غير مريح.
هذه هي الفكرة الجوهرية:
شعور بعدم القيمة خلال فترة مؤقتة (يوم – أيام – أسبوع…) أو حتى لحظات، بسبب نتائج، أو حالة عابرة، أو سياق ضاغط في تلك المدة.
وهذا ما يحدث معي الآن:
شعور جاء من العمل لا من الحياة كلها.
ومن مهمة واحدة لا من كل المهام.
ومن زاوية ضيقة لا من المشهد الكامل.
لننظر إلى الموضوع كحساب بسيط تقديري وفق الجدول أدناه:
بعد أن نظرت إلى هذه الأرقام مجتمعة، أدركت شيئاً جوهرياً:
أن الشعور الذي تملكني كان ناتجًا عن جزء لا يُكاد يُرى من زمني.
المهمة التي أثقلتني لم تمثّل سوى 0.0855% من مجمل ساعات عملي منذ 2016 حتى اليوم؛ أقل من عُشر الواحد بالمئة من المسار المهني كامل.
ولو نظرت إليها من زاوية أوسع، كجزء من حياتي المستيقظة، فلن أجد لها أكثر سوى 0.0107% من كل ما عشته وأنا في وعيي وحضوري.
بل حتى في حساب الحياة الكاملة بنومها ويقضتها لم تتجاوز 0.0071% من عمري كله.
ومع ذلك، فرضت هذه النسبة الضئيلة نفسها على الشعور كأنها كل شيء.
الغريب أن هذا الجزء الصغير – سياق محدود داخل جزء من العمل، وليس العمل كله، وفي فترة زمينة قصيرة – استطاع أن يُعيد تشكيل صورتي عن نفسي، ولو مؤقتاً.
وأعني "مؤقتاً" أنه ليس شعوراً دائم، ولا تعريف ثابت لذاتي، بل حالة شعورية قد تمتد لدقائق، أو ساعات، أو حتى أيام، لكنها لا تُعبّر عني على المدى الأوسع.
كأنّ كل سياق الحياة، وما راكمته من سنوات وجهد ووعي، تلاشى فجأة، أو تم محوه لأن شيئاً واحداً فقط لم يكتمل.
كيف لجزء بهذا الحجم أن يملك كل هذا النفوذ على الشعور؟
أدركت حينها أن الشعور الذي تملكني في هذه اللحظة - وفي اللحظات المماثلة -، لم يكن نتيجة لتعثر حقيقي، ولا لفشل فعلي، بل كان نتيجة لتضييق زاوية النظر، وتعميم لحظة عابرة على الصورة الكاملة، حتى ظننت أن ما أشعر به الآن يُمثّلني.
وأن أعظم ما نخطئ فيه حين نتعب، هو أن نُسلّم بأن شعور مؤقت يمكن أن يعبّر عمن كنا، منذ أن وُلدنا.
لكن الحقيقة مختلفة تماماً:
أنا لستُ هذه اللحظة،
ولا هذا العمل،
ولا هذا الشعور العابر،
ولا هذا الانطباع المؤقّت،
ولا تلك الفكرة التي وُلدت من ضغط محدود، وزاوية نظر ضيّقة.
أنا ابن ما راكمته الحياة، لا ما أربكني في بعضها.
ابن سنوات من التجربة، والعثرة، والوقفة، والنية، والاتزان، والصبر، والتأمل.
ابن 32 سنة، لا 32 ساعة.
رسالة إلى من أثقله شعور مؤقت
ما تمر به الآن لا يُعرّفك.
هذه اللحظة، أو هذا اليوم، أو هذا الأمر، أو تلك المهمة التي تعثّرت فيها لا تختصرك.
قد يتسلّل إليك شعور بأنك لم تعد كما كنت، أو أنك لم تعد كافياً، لكن تذكّر: أنت لست ما تعثّرت فيه، بل ما راكمته الحياة فيك على امتدادها.
لا تدع لحظة واحدة تختزلك، ولا تسمح لشعور عابر أن يعيد صياغة من أنت.
الهوية لا تولد من تعب يوم، ولا تلغى بتعثر أمر.
أنت أوسع من هذا الوقت، وأعمق من هذه الحالة.
إذا وصلت إلى هنا، فشكراً لصبرك وقراءتك


يمثلني مقالك هذي الفتره 😢
كمية حبي لك اخي الكاتب تكبر بعد كل مقال اقرأة ،أسأل الله ان يعطي لك السعادة والراحة 🤍