حين لا يكون الحل من باب المشكلة
التدوينة الخامسة عشر
تأملت قوله تعالى:
(ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)
وكأنها رسالة أتت في وقت مناسب لِترتّب ما كان يجول في بالي من مواضيع مبعثرة.
تأملت أن النبي ﷺ لم يُوجَّه إلى مواجهة ما يقوله الناس، ولا إلى الرد عليهم، ولا إلى الدعاء عليهم. ولم ينهه الله عن الشعور بالضيق، ولم يعده بزواله المطلق، بل وجهه إلى أنشطة مختلفة تماماً: تسبيح، وسجود، وعبادة.
والمفارقة أن العلاج أو الحل لم يكن بمعالجة المشكلة مباشرة، بل بتجاوزها والانشغال بفعل آخر أعمق وأنفع، يقوي النفس ويبنيها، وقد يكون في عمقه وسيلة لتجاوز مشكلات قادمة.
ومن هذه الآية، ومن معايشة روح النص أياماً في واقع الحياة، ظهرت أمامي هذه الدروس والقواعد الحياتية:
الاعتراف بالمشاعر:
لم ينفي الله عن النبي ﷺ شعور الضيق، بل اقره كحقيقة إنسانية. وهذا يعلّمنا أن المشاعر ليست عيباً ولا ضعفاً، بل جزء من طبيعتنا ينبغي الاعتراف بها. فالمشاعر، سلبية كانت أو إيجابية، إذا كُبتت لا تزول بل تتراكم وتثقل النفس. البداية الصحيحة دائماً هي التسليم بوجود ما نشعر به.
المواجهة ليست دائماً الحل:
النبي ﷺ لم يُؤمر بمواجهة ما يقوله الناس أو الرد عليهم، بل وُجّه إلى ما هو أنفع. وهذا يعلّمنا أن ليس كل كلمة أو موقف يستحق الوقوف عنده؛ فأحياناً يكون التجاوز أذكى من الرد، لأنه يجنّب الاستنزاف. والحكمة أن تميز بين ما يحتاج وقوف أو رد، وما يكفي فيه التجاوز.
النشاط البديل وتوجيه الطاقة:
الحل لا يكون دائماً من الباب نفسه أو بمعالجة سبب المشكلة، بل في فعل يحفظ طاقتك ويوجهها نحو البناء. فالطاقة التي تهدر في الانفعال يمكن أن تتحول إلى نشاط يبنيك. رياضة، أو عمل نافع، أو سفر، أو ذكر لله… كلها أبواب تفتح في داخلك مساحة جديدة للنمو.
السمو والإرتقاء:
الذكر والسجود لم يكونا مجرد انشغال، بل كانا ارتقاء. وهنا تتجلى قيمة السمو؛ أن يرتفع الإنسان فوق الموقف بدل أن يغرق فيه. فالانشغال بذكر أو عمل نافع لا يمحو الموقف أو ما قد يطرأ على البال، سواء كان هم، أو معصية، أو وهم، أو رغبة، ونحوها، لكنه يخفف أثره لأنه لم يعد يحتل مركز القلب.
وكثير من حظوظ النفس والردود الانفعالية يتلاشى أثرها مع السمو، فلا يبقى له الثقل ذاته.
التحرر من حكم الآخرين:
أشارت الآية إلى (بما يقولون)؛ لتدل على أن أقوال الناس ليست ميزاناً مطلقاً. فأقوالهم متغيّرة وناقصة، ولو جعلناها مقياساً لأتعبت القلب وأضعفت الثقة. وقيمة الإنسان في حقيقتها أعمق وأثبت من تقلبات الناس، والتحرر من ثقل أحكامهم لا يكون إلا بالتوجّه إلى الله.
التعايش والبناء والاستمرارية:
قوله تعالى (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) يرسّخ معنى الاستمرار. فبعض المشكلات لا تزول دفعة واحدة، بل يحتاج تجاوزها إلى صبر وتعايش وتراكم.
مثل السهر وقلة النوم؛ ما راح تتعدل في يوم واحد، بل يتطلب الأمر انتظام طويل وتحسين العادات: كضبط توقيت الأكل ونوعيته وكميته، والالتزام بالاستيقاظ المبكر، وتغيير بعض العادات الاجتماعية وغيرها.
الارتباط بالمصدر الأعلى:
التوجيه بالتسبيح والسجود ليس مجرد نشاط بديل، بل هو صلة بالله، صلة بمصدر الطمأنينة واليقين. فبعض الحلول لا تأتي من الإنسان وحده، ولا تنال بالمنطق أو القدرات أو الموارد المتاحة، بل من استمداد القوة من فوق؛ من الله مدبّر الأمر. والعبادة لا تمنح راحة لحظة فحسب، بل تبني يقيناً ممتداً يحمي من الاضطراب، ويجعل الطريق أكثر ثبات.
ليست كل مشكلة تغلق من بابها؛ فأحياناً يكون الحل في باب آخر، يبدو بعيداً في الظاهر، لكنه الأعمق أثراً والأبقى نفعاً.
وأرى أن السبيل لعيش حياة أوسع وأكثر تسامح ورضا، أن نطبق ما في الآية:
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.
نسعى، ونستعين بالله وحده، وما يأتي بعد ذلك فهو الخير.
إذا وصلت إلى هنا، فشكراً لصبرك وقراءتك

فعلا احيانا نغفل الرجوع إلى الله في لحظة الانفعال ليس لقلة صبرنا بل لقوة الموقف وأحيانا مفاجأة الحدث وافضل وسيلة هي عند زوال زوبعة الموقف فكر بالحدث وقل في نفسك يوم ويمضي وستجد نفسك متعلقا بالله سبحانه
كلامك جميل شكرا والحمد لله على كل شيء