من تقصيري إلى باب الوهاب
التدوينة الثامنة عشر: حين لا يمنعني تقصيري من طلب المغفرة وسؤال الوهاب من واسع عطائه
في ليلة السابع والعشرين من رمضان 1447 هـ، وصلت في تلاوتي إلى سورة ص، وكانت نيتي أن أقرأ أكبر قدر ممكن من الصفحات لأختم قراءتي في تلك الليلة. لكنني عندما بلغت آيات قصة سليمان عليه السلام، من قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) إلى قوله: (وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ)، شعرت أنني لا أقرأ قصة بعيدة عني، بل أقرأ شيئاً يلامس حالةً وشعوراً أعرفهما في داخلي.
أول ما استوقفني كان قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ).
قرأت الآية مرات عدة ولم أستطع تجاوزها. وجدت نفسي أعود إلى القصة من بدايتها، أقرأها مرة بعد مرة، من الآية الثلاثين إلى الأربعين. لم أعد أنظر إلى الدعاء وحده، بل بدأت أقرأ السياق كله: كيف بدأ الثناء على سليمان عليه السلام، وكيف جاء ذكر الخيل، ثم الفتنة والإنابة، ثم هذا الدعاء الذي جمع بين طلب المغفرة وطلب العطاء.
ومن هنا بدأ المعنى يتجلى لي أكثر.
بدأت الآيات بثناء من الله على سليمان عليه السلام: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)، توقفت عند هذا الوصف؛ لم يقل الله: "نعم الملك"، مع أن سليمان كان ملكاً عظيماً. ولم يبدأ بذكر سلطانه وتسخير الريح والجن له، بل قال: "نعم العبد"، ثم وصفه بأنه "أواب"؛ أي كثير الرجوع إلى الله.
وهنا سألت نفسي: إذا كان سليمان عليه السلام، مع ما آتاه الله من الملك والنبوة والتمكين، يُمدح أولاً بأنه "عبد"، فماذا عني أنا؟ مهما بلغ الإنسان، ومهما فُتحت له من أبواب الدنيا، فإنه يبقى عبداً ضعيفاً بين يدي الله، لا يستغني عن ربه طرفة عين، ولا يليق به أن ينسى أصل عبوديته.
وكأن هذه الكلمة هي مفتاح القصة كلها، فالعبرة ليست في أن العبد لا يمر بلحظات ضعف، ولا أنه لا ينشغل أو يُبتلى، بل في أن لا يفقد قلبه طريق الرجوع إلى الله.
ثم جاءت الآيات تذكر موقف الخيل: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)؛ كانت خيل أصيلة ومباحة، بل هي من الخير والقوة. والذي لفتني هنا أن الانشغال لا يكون دائماً بالحرام؛ فقد ينشغل القلب بشيء مباح يحبه، فيأخذه لحظة عما هو أولى. وشعرت أن الآية هنا لا تتحدث عن الخيل وحدها، بل عن كل شيء من الدنيا قد يتسلل إلى القلب حتى يزاحم ذكر الله.
يقول الله بعد ذلك: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ)، لا أقف هنا لأدخل في تفاصيل الفتنة، ولا لأجعل من القصة مبرراً للتقصير، بل لأقف عند العبارة التي خُتمت بها الآية: (ثُمَّ أَنَابَ).
هنا عاد وصف "الأواب" ليظهر في القصة، لا كصفة مجردة بل كفعل حي. فالأواب ليس المعصوم من الانشغال، بل هو من يعرف طريق العودة كلما تاه قلبه. هي دلالة واضحة على حركة النفس البشرية: نعمة، ثم انشغال، ثم ابتلاء، ثم إنابة.
ثم جاء الدعاء الذي أثار فيني هذا التأمل من الأساس: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ).
هذه الآية صححت مفهوم عميق في داخلي، كوني في أيام التقصير، وحين أشعر أنني لم أكن كما ينبغي مع الله، يغلبني الحياء من أن أطلب منه شيئاً من أمور الدنيا. أستحي أن أطلب رزقاً أو توفيقاً، وكأن صوتاً يوبخني: "كيف تطلب وأنت مقصر؟ استغفر أولاً، أصلح ما بينك وبين الله، ثم ربما يليق بك أن تسأل". كنت أظن أن الأدب يقتضي الوقوف عند باب الاستغفار فقط، وألا أتجاوزه إلى طلب العطاء في اللحظة ذاتها.
لكن دعاء سليمان عليه السلام جاء ليهدم هذا المفهوم. قال أولاً: (رَبِّ اغْفِرْ لِي)، ثم أتبعها مباشرة: (وَهَبْ لِي). لم يكن طلب المغفرة حاجزاً بينه وبين سؤال ربه، بل جمع بينهما: اغفر لي، وهب لي.
التقصير لا يعني أن نتوقف عن الدعاء، والشعور بالذنب لا ينبغي أن يغلق باب السؤال. بل قد يكون هذا الانكسار هو الطريق الذي يقودنا إلى باب الله من جديد. نرجع إليه، نستغفره، ثم نسأله؛ لأننا لا نسأل على قدر أعمالنا، بل على قدر كرمه.
ولفتني أن سليمان عليه السلام لم يقل: "أعطني"، بل قال: (وَهَبْ لِي). فالهبة ليست أجراً على استحقاق، بل هي عطاء خالص من فضل الواهب. ولم يطلب عطاء يسير، بل طلب (مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي)، طلب عظيم لم يَبْنِهِ على استحقاقه الشخصي، بل ختمه متوسلاً باسم الله: (ِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ).
ظهري لي أن الدعاء هنا كله مبني على معرفة الله بأسمائه وصفاته، ومن عرف ربه بأسمائه وصفاته لم يستحي من السؤال، لأن السؤال بحد ذاته عبودية:
أطلب المغفرة من الغفور.
وأطلب العطاء من الوهاب.
وأطلب الرزق من الرزاق.
وأطلب الفتح ممن بيده مفاتيح كل شيء.
وتأملت ترتيب الاستجابة: إنابة، ثم دعاء، ثم عطاء بلا حساب: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ). وكأن الآيات تخبرني أن طريق العبد لا يقف عند الشعور بالذنب، بل من هناك تبدأ الرحلة. وكأنها تقول لا تبقَ أسيراً لتقصيرك، حوله إلى إنابة، والإنابة إلى دعاء، واترك العطاء لله.
كل ما في السياق يذكر بالهبة؛ بدأ في أول القصة بـ (وَوَهَبْنَا)، ثم دعاء سليمان (وَهَبْ لِي)، وختم دعاءه باسم الله (الْوَهَّابُ). وكأن السورة ترسخ في قلبي أن كل ما نملكه من نعمة أو رزق أو مكانه ليس استحقاقاً خالصاً، بل هو هبة. حتى الأسباب التي نأخذ بها هي هبة، والتوفيق إليها هبة.
اليوم تغير معنى الدعاء في نفسي؛ فأنا لا أسأل الله لأنني أستحق، بل لأنني أعرفه "الوهاب". ولا أستغفر ثم أصمت، بل أستغفر ثم أسأل؛ لأن الاستغفار لا يغلق باب الدعاء بل يشرعه. الدعاء ليس ادعاء للاستحقاق، بل هو اعتراف بالافتقار.
حين أقول: "يا رب اغفر لي"، لا ينبغي أن أخاف بعدها من أن أقول: "وهب لي"؛ لأنني أسأل رباً كريماً. هذا لا يبرر التساهل مع الذنب، ولكنه يعلمني ألا أجعل تقصيري حجاباً بيني وبين ربي.
الخطر الحقيقي ليس في الشعور بالضعف، بل في السماح لهذا الشعور بأن يدفعنا لليأس.
القرآن يرشدني إلى طريق أبسط وأعظم:
إذا قصرت فارجع.
وإذا رجعت فاستغفر.
وإذا استغفرت فاسأل.
فأنا لا أقف على باب بشر، بل على باب الوهاب. ومن هنا تجلّى لي هذا العنوان: "من تقصيري إلى باب الوهاب". لا لأن التقصير غاية بل لأن الله برحمته قد يجعل من انكسارنا بالتقصير باباً للرجوع إليه؛ باباً لا يطرق بالكمال بل بالانكسار.
فالحمد لله الذي يرد عبده إليه في حال ضعفه، ويجعل له من ثقل التقصير طريقاً إلى التوبة، ومن التوبة جسراً إلى الدعاء، ومن الدعاء نافذة تطل على سعة الوهاب.
إذا وصلت إلى هنا، فشكراً لصبرك وقراءتك

يالله سبحانك كيف الهمك أن تكتب عن امر استوقفني ولفت انتباهي وكأن الامر لم يمر على الكثير من البشر …. اسال الله ان يجعلني ممن ينوبون اليه كل ما اذنبوا ويستغفرونه في كل حين ويردنا اليه رداً جميل انا ومن يقرأ , هذا الحالة امر بها الان واستوقفني جملةٌ ذكرت فيها ان كيف اطلب من الله وانا مقصر اشعر بالحياء منه وفي سردك لقصةسليمان عليه السلام كيف انه عبداً اواب جعلني اتمسك بطلبي ودعائي اكثر له … اسال الله ان لا يجعل امور الدنيا تشغلنا عن طاعته وعبادته حق العبادة
في كل حين وكل وقت
This article reached a very deep shell in my soul, 🙏🏻 في ميزان حسناتك