التدوين جسر بين الماضي والحاضر والمستقبل: كيف تعيش الزمن كله بوعي واحد
التدوينة السابعة: الجزء الثاني من سلسلة: رحلة إدراك الزمن
الكتابة ليست عن الأمس فقط
حين بدأت التدوين، كنت أعتقد أنني أوثق ما حدث فقط.
أكتب اليوم الذي انتهى، أستعرض مشاعري وأفكاري، وأحاول أن أفهمها. لكن شيئًا آخر بدأ يتشكل:
التدوين لم يربطني بالماضي فقط؛ بل جعلني أعيش الحاضر بوعي، وأرى المستقبل بطمأنينة.
حين نكتب، لا ندون ما فات فقط، بل نرسم خطّ خفي يصل بين ما كان، وما هو كائن، وما سيكون. وكأن الكتابة، بطريقة ما، تمنحنا القدرة على عيش الزمن كلّه في لحظة واحدة.
ومع الوقت، تبدأ عقولنا تتغيّر، نفكّر في اللحظة التي نحن فيها، ونتعامل معها بتركيز مختلف.
وعندما يأتينا خاطر الغد أو مهمة تنتظرنا، لا نهرب إليها ولا نستعجلها؛ بل نؤجلها بهدوء، وكأن فينا صوتًا يقول: "الصباح رباح… دَع الغد لغده، ودعني أعيش هذا اليوم كما هو"
كيف تصبح الكتابة ممارسة ثلاثية الأبعاد؟
التدوين ليس مجرد نشاط موجه للماضي. هو حركة ذهنية تعيد ترتيب الزمن كله:
- حين تكتب عن الماضي: تعطيه تفسيرًا، تخرجه من الفوضى، وتجعله جزءًا واضحًا من قصتك.
- حين تكتب في الحاضر: تصبح أكثر وعيًا به، لأنك تعلم أنك ستجلس لاحقًا لتواجه نفسك وتفكر فيما حدث اليوم.
- حين تكتب للمستقبل: تبدأ بتوقع السيناريوهات، تضع فرضيات، تراقب تطورك، فتقل احتمالية أن يسرق القلق اللحظة منك.
في الحياة اليومية، يحدث شيء غريب معنا جميعًا:
نضيع بين الماضي والمستقبل.
نعيش بأذهان مشغولة بأخطاء الأمس، أو بأفكار عمّا يجب أن نكون عليه غدًا. وفي هذه الدوامة، يتلاشى الحاضر، لا نعيشه، لا نلمسه، لا نلاحظه.
لكن مع التدوين، شيئًا فشيئًا، تتضح الرؤية:
- تتذكر الأمس، فتفهم ما حدث.
- تعيش اليوم، لأنك صرت تلاحظ تفاصيله.
- تنظر للغد دون خوف، لأنك ترى كيف تتحرك حياتك على امتداد زمني واضح.
التدوين كأداة لفك الاشتباك مع الماضي
حين تكتب ما حدث، تعيد ترتيب القصة، وتتحرر من سلطة الذاكرة المشوشة. لا تعود ذكرياتك مكونات مبعثرة، بلا نمط، ولا رابط، ولا سياق؛ بل تصبح مفسّرة، موثّقة، مفهومة. الماضي لا يعود يلاحقك في الخفاء؛ لأنك واجهته على الورق.
في أحد الأيام، دونت موقفًا تكرر كثيرًا وأثار في داخلي انفعالًا متكررًا؛ وانزعاجًا، أو غضبًا، أو حتى مشاعر يصعب تسميتها أحيانًا. لم يكن عابرًا، بل من تلك المواقف التي تمر مرارًا وتسبب ردّات فعل مألوفة دون أن تُفهم تمامًا.
كنت أفسر ما أشعر به في مثل هذه اللحظات بتفسيرات تلقائية؛ سطحية أحيانًا، أو معتادة إن صح التعبير، لأنها نفس التفسيرات التي اعتدت استخدامها في مواقف سابقة مشابهة، ولأنها منبثقة من قناعات قديمة تكوّنت داخلي وظلّت سنوات بلا مراجعة أو تفنيد.
في كل مرة، كنت أُحيل تفسيري وما أشعر به إلى هذه القناعات، وأتصرّف كما لو أن التفسير واضح ومبرر. لكن حين جلست وكتبت هذا الموقف بالتفصيل، بدأت أُحاجج ما كنت أؤمن به، فكّكت جذوره، فَنّدته، تأمّلته من جديد، ثم اكتشفت أن السبب الحقيقي لم يكن ما ظننته، بل شيء أعمق، ظلّ غائبًا عن بصري رغم حضوره داخلي.
بعض القناعات عدّلتها، وبعضها تصالحت معها، واليوم، لم يعُد للموقف نفس الأثر، ولا التكرار ذاته. ولو لم أكتب، لما لاحظت هذا الخيط الخفي الممتد بين ما أظنه الآن … وما كان يسكنني منذ زمن.
وهكذا، في مواقف كثيرة … كانت تمر فأبرّرها تلقائيًا، وأنفعل منها، ثم تتكرر بنفس النمط ونفس الانفعال. لكن مع الوقت، أصبح هذا التكرار مُرهقًا، والتبريرات المعتادة لم تعُد تُقنعني.
عندها قررت أن أتوقّف عند كل نمط يتكرّر ويستنزفني، أكتبه، أحلّله، وأتأمل أسبابه بصدق… ثم أبدأ في معالجته، واحدًا تلو الآخر.
التدوين كأداة للحضور الكامل
عندما يصبح التدوين عادة، يحدث تحوّل خفي:
تبدأ بالانتباه للحظة وأنت تعيشها، لأنك تعلم أنك ستعود إليها لاحقًا لتكتبها.
تراقب مشاعرك، تصرفاتك، تفاصيل يومك الصغيرة، لا لتسجّلها فقط، بل لتفهمها.
تكتب لا عن الأحداث وحدها، بل عن تعاطيك معها، عن انفعالاتك، عن الأسئلة التي لم تُسأل، والمشاعر التي عبرت دون أن تُفهم. ومع الوقت، تُسهم هذه المراجعة في تشكيل وعي متزن، واستجابة أهدأ وأنضج لما كان يُربكك من قبل.
أنا بطبعي أفكر بسرعة … يقول البعض تفسيراً لهذا الطبع؛ أن لدي "معالجًا ذهنيًا سريعًا"، ولا أدري إن كان هذا ذكاء أم فوضى منظمة.
ولكن حين يبدأ سيل الأفكار، لا يتوقف عند فكرة واحدة … بل عشرات، وربما مئات.
تفكيري لا يسير في خط واحد، بل يتفرّع في مواضيع مترابطة أحيانًا، وغير مترابطة أحيانًا أخرى. غالبًا ما أسبق العرض، أو المتحدث، أو حتى مجرى النقاش؛ أنتهي من القراءة بسرعة، وتسبقني أفكاري إلى النتائج والمآلات قبل أن يكتمل الحدث أصلًا.
التزاحم الذهني متعب… دائمًا.
ليست مجرد أفكار كثيرة، بل أفكار تتسابق، تتداخل، تقاطع بعضها، وتضغط عليّ دفعة واحدة.
أحيانًا أظن أنني فهمت كل شيء … قبل أن يُكمل الآخر جملته.
وأحيانًا أتكلم قبل أن أُصغي. ووسط هذا الازدحام، يصعب أن أجد لحظة صافية … لحظة أكون فيها حاضرًا بالكامل، دون أن يُزاحمني شيء.
في تلك اللحظات، كنت أشعر بتسارع آخر … تسارع يوازي اندفاع الأفكار:
دقات قلب سريعة، وإحساس داخلي بأن أمرًا جللًا على وشك أن يحدث.
لكن الحقيقة؟ لم يكن هناك شيء.
مجرد تصوّرات… مزيج من ذكريات لم تُغلق، وسيناريوهات مستقبلية غير مؤكدة، تتصارع داخل ذهني، وتسرقني من اللحظة، وتُثقل عليّ الحاضر.
هذا المشهد يتكرّر كثيرًا:
سواء في البيت أو في العمل، وتحديدًا في لحظات الوحدة… بعد الاستيقاظ، قبل النوم، أو في منتصف اليوم حين أكون وحدي تمامًا.
لكن مع مرور الوقت، ومع التدوين المنتظم، بدأت ألاحظ الفرق:
ما كان يُربكني… لم يعُد يُربكني كما كان.
والفكرة التي كانت تُشوش عليّ يومي، لم تعد تجد نفس المساحة.
النتيجة:
الحياة لم تعد مجرد مرور للأحداث.
أصبحت أعيشها بحضور كامل، لأن كل لحظة صارت قابلة للتأمل … وللفهم.
التدوين كأداة لتخفيف قلق المستقبل
حين ترى مسار حياتك أمامك، مكتوبًا على الورق، يتلاشى جزء كبير من الخوف من المستقبل.
تدرك أن الأمور لا تحدث فجأة، بل هي نتيجة لما كان وما هو كائن الآن.
التدوين يمنحك إحساسًا بالاتساق والاستمرارية.
تلاحظ أنك لست في فوضى عشوائية. هناك خيوط تتحرك، وأنماط تتكرّر، وأشياء تنضج مع الوقت.
حين خفّت وطأة القلق بمجرد أن كتبت
في أحد الأيام، كنت عائدًا من السفر.
بعد أن أنهيت إجراءات السفر، مررت بالجوازات، ثم توجهت إلى صالة المغادرة. اشتريت بعض الحاجيات، وجلست بعدها عند بوابة الصعود، بانتظار موعد ركوب الطائرة.
فجأة، شعرت بضيق شديد. ليس الضيق المعتاد الذي يصيبنا أحيانًا بعد السفر … بل غمّة ثقيلة لا مبرر واضح لها.
كنت بالأمس في قمة الراحة والسعادة، فلماذا هذا الانقباض؟
فعلت أول ما خطر لي: فتحت مذكرة التدوين، وبدأت أكتب.
في البداية، كنت أدون بدهشة: كيف كنت أمس مرتاحًا، وها أنا الآن في غمّة؟
ثم بدأت بحصر المهام التي تنتظرني بعد العودة، الأمور التي كانت تشكّل هاجسًا خفيًا. كتبتها بندًا بندًا… ثم وضعت لكل واحدة خطة صغيرة.
مع الوقت، بدأ الضيق يخف.
فقلت لنفسي: ما الذي يقلقك الآن؟ وبدأت أدوّن نِعَم الله عليّ. لم أستطع التوقف … امتناني اتسع، وشيئًا فشيئًا، شعرت أن نبض قلبي يعود لطبيعته.
بعد أن خفّ الضيق وهدأت أنفاسي، وجدتني أواصل الكتابة … لكن بشكل مختلف هذه المرة. لم أكتفي بتفريغ المشاعر أو شرح ما حدث، بل بدأت أدون ملاحظات عن نفسي: ما الذي يربكني؟ وما الذي يريحني؟
بدأت أكتب أفكارًا وقواعد صغيرة تساعدني في التعامل مع هذه المواقف عندما تتكرّر. كأنني لم أعد أكتب فقط لأرتاح، بل لأفهم، وأبني طريقة أعيش بها. ومع الوقت، أصبحت هذه الكتابات مرجعًا أعود إليه… وتدريجيًا تحوّلت إلى عادة، لا مجرد ردّ فعل مؤقت.
أدركت أن الضيق لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تداخل الماضي والمستقبل في ذهني … دون أن أمنح الحاضر حقه.
وحين كتبت… انحسر كل ذلك.
أحيانًا، لا نحتاج إلى تغيير الواقع، بل فقط إلى أن نراه كما هو … مكتوبًا، لا متضخمًا في رؤوسنا.
الكتابة ليست لتوثيق ما مضى، بل لفهم ما يحدث… وما سيحدث
التدوين ليس مجرد تسجيل للذكريات، بل هو إدراك للزمن كبنية واحدة: ما حدث، وما يحدث، وما سيحدث… كلها خيوط لحكاية واحدة.
وكلما أمسكت بالقلم، أمسكت بخيوط الزمن. وبدأت تدرك أنك لست عالقًا فيه، بل أنت من ينسج قصته… لحظة بلحظة.
سبحان الله… لا التوفيق من ذكاء، ولا الطمأنينة من تخطيط، بل من الله وحده.
مرّ علي وقت كنت أرتبك فيه إن شعرت بالهدوء … كأن القلق هو الأصل، وكأن الطمأنينة بحاجة إلى تبرير.
أسأل نفسي أحيانًا:
لماذا لا أقلق؟
غدًا عندي قرار، أعمال متراكمة، سفر، اجتماع مهم… ومع ذلك أشعر بهدوء غريب. حتى الحوادث أتعامل معها وكأنها مشاهد عابرة.
تغيّرت ردّات فعلي، ولا أعلم كيف.
لكنني أعلم أن التدوين كان أحد أسباب هذا التحول.
علّمني أن أهدأ، أن ألاحظ، أن أؤجل الخوف، وأعيش اليوم كما هو.
الآن، حين أفكر في المستقبل، أقول لنفسي ببساطة:
"بكرة … مب اليوم"
كيف تعيش الزمن كله بالكتابة؟
جرب أن تضيف إلى تدوينك اليومي ثلاثة محاور بسيطة:
- ما الذي فهمته اليوم عن ماضيك؟
- ما الذي لاحظته في يومك ولم تكن تلاحظه من قبل
- ما الذي تغيّر في نظرتك للغد بعد ما عشته اليوم؟
استمر على هذا النمط لبضعة أسابيع، وراقب كيف يبدأ إدراكك للزمن في التغير. ستجد نفسك تعيش يومك بعمق أكبر، لأنه لم يعد منفصلًا عن أمسك ولا عن غدك.
في التدوينة القادمة سنتأمل أثر هذا الإدراك الجديد للزمن:
كيف لا يمنحنا فقط وعيًا أوسع … بل سكينة أعمق.
كيف يجعلنا نعيش الحياة بسلام، لا بسرعة.
إذا وصلت إلى هنا، فشكراً لصبرك وقراءتك

لااعرف كيف أُدون
اكبر نعمة حصلت عليها بحياتي من بعد حبي للقراءة هو حبي للكتابة