أسرعنا وظلمنا البطء بجهلنا
التدوينة الرابعة عشر: الجزء السابع من سلسلة: رحلة إدراك الزمن
أبطئ لأعيش كالسلحفاة
أحياناً أتمنى لو كان لي الخيار في كل لحظة؛ هل أعيش بإيقاع العصر بكل ما فيه من تسارع وتراكم واستجابة فورية؟ أم أختار نمطاً آخر من الوجود، أهدأ وأبطأ، أشبه بالسلحفاة، نمضي فيه بخطى هادئة لا نتسابق ولا نتزاحم.
أن أكون في سياق السلحفاة! أنا ومن معي نختار هذا النمط "سلاحف النينجا" - خارج النص: كتبتها هنا ما راح أخليها في خاطري 😂-، صدقاً لا نبطأ في الحركة فقط، بل في كل شيء، في ردود أفعالنا، في اختياراتنا، وحتى في تأقلمنا مع العالم من حولنا.
أن أستجيب للمحفزات ببطء ليس جهلاً بها، بل لأنني أحتاج وقتاً لأفهمها وأشعر بها وأدعها تعبر داخلي دون اصطدام. هكذا أحيا بإيقاع أبطأ لكنه أعمق؛ أشبه السلحفاة لا في جسدها، بل في طريقتها في العيش.
أتعلم ببطء، وأتكيف مع التغيرات ببطء، وأبني علاقاتي بخطى لا تمجد العجلة. وأصبح أرى في هذا البطء ميزة لا عيب؛ ومن هناك، أتحرر تدريجياً من صراعات التبرير والمقارنة، وأكون أكثر تصالحاً مع نفسي، ومع إيقاعي، ومع الزمن كما هو؛ زمن لا يطالبني أن أسرع، بل يتيح لي أن أفهم، وأتنفس، وأحضر بإيقاعي.
أعيش بهدوء، بلا صوت مرتفع ولا جدال لا لزوم له، كأنني أذكر نفسي؛ لست في سباق، ولست مطالباً بأن أسرع لأثبت أنني موجود. السلحفاة لا تركض لكنها تصل، لا تتفاعل بسرعة لكنها لا تغيب، لا تغير جلدها لترضي العالم، بل تمضي كما خُلقت: ثابتة، هادئة، تحمل بيتها وتمضي بإيقاعها.
وقفة أخرجت هذا الجاهل ليستكشف
حتى فكرة إنشاء هذه المدونة ولدت من وقفة طويلة مع النفس، وكل تدوينة فيها كانت ثمرة توقف، ولو قصيراً، يتبعه جلوس مع نفسي لأفكر وأتأمل وأحلل.
في زمن يحترم فيه الإسراع بوصفه معياراً للإنجاز؛ لا في العمل والشراء والتنقل فحسب، بل في العبادة، وفي بناء العلاقات والإصغاء، وفي تربية الأبناء وتوجيههم، وفي التعلم والكتابة واتخاذ القرار، وحتى في رعاية الجسد من طعام ونوم وحركة، وفي التعاطي مع التقنية والمال؛ صرنا نمجد السرعة بما تحدثه من أثر فوري، ونغفل أن ما يمنح الحياة جودتها لا يقاس بلحظة، بل بما يمتد أثره عبر الزمن.
فالسرعة ليست فضيلة في ذاتها، بل تقاس بمدى ما تنتجه من أثر ناضج وثابت وممتد.
كثير من خطواتنا المتسرعة تبدو إنجازاً لحظياً، لكنها تستنزفنا لاحقاً في محاولات التصحيح والمعالجة. أما الخطوة المتزنة، فحتى وإن تأخرت قليلاً، إلا أنها تختصر الطريق لأنها تغنينا عن الإعادة والندم.
ولهذا، فإن بلوغ الإيقاع الأمثل لا يتحقق بالإسراع الدائم، بل بالوقفات التي تمنحنا وضوحاً وتأملاً، فتجعل خطواتنا في مجملها أسرع في المعنى، أعمق في الأثر. الوقوف الواعي ليس تعطيلاً، بل صيانة للإيقاع، كي لا تدهسنا عجلة الحياة.
هذه التدوينة ليست دعوة إلى الكسل، بل محاولة لإعادة تعريف البطء كوسيلة لاستعادة الحضور واتساع الشعور وفهم الزمن كما ينبغي أن يعاش.
وقفة أخرى 🙂 قبل أن تستكمل القراءة:
من المهم أن أوضح أنني حين أكتب هنا، لا أنطلق من افتراض أنني أملك إجابات نهائية، أو أنني وصلت إلى استنتاجات لم يُسبق الوصول إليها.
أكتب بهدف توصيف الحالة أو الموضوع من وجهة نظري التي تتشكل، وقد أطيل في التفصيل أو التوضيح، لأن هدفي ليس مجرد إيصال فكرة، بل أن أفهمها بوضوح أولاً، وأحلل أجزائها، وأربطها بالسياق العام للحياة، ثم أطرحها بشكل يساعدني أن أفهم وأن يفهم من يقرأ كما فهمت، ويقلل من احتمالات اللبس أو التفسير الخاطئ.
أحيانا قد أصف حالة تبدو قريبة من الصورة المثالية، بمعزل عن ظروفها الواقعية أو الفروقات الشخصية، وذلك لمجرد التوصيف، لا لأننا مطالبون بأن نكون مثاليين بنسبة 100%، ولا لنقنع أنفسنا بأننا نطبق هذه الحالة كما هي، بل لنفهمها ونتعامل معها بوعي.
حين يكون الوصف واضح، والفكرة مفهومة، فإن الوعي يتشكل تدريجياً. ومع الوقت والتجربة، تتكون لدينا قدرة أعلى على استحضار هذا الوعي في مواقف الحياة اليومية.
ليس الهدف أن نعيش هذا الفهم أو نطبقه في كل لحظة، فهذا غير واقعي. لكن إذا استطعنا أن نستحضره على سبيل المثال في 10% من حياتنا فهذا جيد، وإذا زادت النسبة مع الوقت، فهذا أفضل.
المسألة ليست في بلوغ الكمال، بل في المحاولة المستمرة، خطوة نفهمها، وخطوة نمارسها، وهكذا نمضي ونسعى.
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى.
إعادة تعريف البطء
لنتفق أن البطء الواعي ليس أن تمشي ببطء، ولا أن تقول يالله أنا اليوم بصير بطيء، ولا أن تؤجل ما تستطيع إنجازه الآن؛ هو أن تمنح كل فعل وقته الطبيعي ليكتمل، دون ضغط زائف أو استعجال يفسد التجربة.
هو المساحة الفاصلة بين الفعل والنتيجة، هو التأني الذي يتيح لك أن تلاحظ، وتفهم، وتعيد النظر.
وحين تغير تعريفك للبطء، من صفة غير محمودة كالتي تنشأ عن التسويف أو ضعف الكفاءة، إلى اختيار واعي؛ ستكتشف أنه أداة لاستعادة السيطرة على الزمن بدل أن تسقط في وهم تسارع الزمن.
الإبطاء كمهارة حياتية
البطء الواعي ليس حالة طارئة نمارسها حين نضطر، بل مهارة يمكن بناؤها مثل أي مهارة أخرى.
تبدأ بتجارب صغيرة ومتكررة، حتى تصبح جزء من إيقاعك الطبيعي.
أن تجهز شنطتك قبل السفر بساعات أو حتى قبل الرحلة بيوم وأنت هادئ، بدل أن تتركها للحظة الأخيرة.
أن تبدأ صباحك بتروي: تصلي الفجر، تتمرن، تجلس مع أهلك، تسلّم على من في البيت بابتسامة، تتوضأ وتصلي الضحى، تلبس وتستحضر امتنانك لله وأنت ترى نفسك في المرآة، ثم تتناول فطورك دون عجلة، بدل أن تبدأ يومك راكضاً.
لأنك إذا بدأت يومك في سباق، ودخلت عملك أو اجتماعك وأنت لم تستيقظ بعد داخلياً، فقد قتلت فرصة الإبطاء منذ البداية.
أن تمشي في طريقك وأنت تلاحظ تفاصيله، بدل أن تحسب كم تبقى لتصل.
ونقيس على ذلك أمثلة كثيرة.
هذه ليست رفاهيات، بل عادات يومية صغيرة تعيدك إلى اللحظة، وتدربك على كسر حلقة السرعة التلقائية. ومع الوقت، يصبح البطء الواعي جزء من شخصيتك، لا مجرد رد فعل.
فك الارتباط بين الزمن والإنتاجية
واحدة من أكبر الخدع التي وقعت فيها، وأظن أنني لست وحدي، هي أن نقيس قيمة وقتنا بما ننجزه فقط. صرنا نعتقد أن الدقيقة التي لا تحمل مخرج واضح أو رقم هي دقيقة ضائعة، وأن البطء لا مكان له في جدول مزدحم بالمهام والأهداف.
لكن التجارب علمتني أن بعض الساعات التي تبدو غير منتجة بالمعيار التقليدي هي الأكثر ثراء بالمعنى.
وأقصد هنا "بالمعيار التقليدي" الحكم على أي وقت أو نشاط بما يقدمه من مخرجات واضحة أو نتائج فورية قابلة للقياس، وهو ما يستبعد غالباً اللحظات التي تمنحنا المعنى والعمق دون أن تترك رقم خلفها.
في هذه التدوينة 👇🏻
لم تكن الحكاية عن سباق، بل عن لحظة وجدت فيها أن الإسراع لا يضمن الوصول الأفضل، وأن الإيقاع الأهدأ يكشف أبعاد لا تراها وأنت مندفع.
هناك، وسط المسافة الطويلة والبرد القارس، تغير ميزان الحكم على التجربة، لم يعد السؤال كم أنجزت؟ هو المحرك، بل كيف عشت هذه المسافة؟
تلك التدوينة ليست عن الجري فقط، بل عن إعادة النظر في الطريقة التي نقيس بها قيمة ما نفعله، وعن إدراك أن بعض الخطوات المتمهلة تفتح أثراً أعمق من أي نتيجة سريعة. وهي أيضاً رحلة في معنى الصبر، والانضباط، والتحول الشخصي، والالتزام بعادات تغير مسار الحياة، واكتشاف جوانب جديدة في الجسد والعقل.
أنصح بقراءتها؛ فهي من التدوينات الأقرب إلى قلبي، وأجدها مفيدة بما تحمله من معاني وانعكاسات تمتد إلى ما هو أبعد من موضوعها الظاهر.
كنت أتعامل مع أي نشاط على أنه يجب أن ينجز بسرعة ويعطي نتيجة ملموسة، وحتى السفر أو الهوايات لم تسلم من هذا، فصارت سباق بدل أن تكون تجربة أعيشها.
في السفر، لا تقاس الرحلة بعدد المدن أو الأمكان التي زرتها، بل بما شعرت به وأنا هناك. حتى في التدوين أو الجري لساعات، قد لا أخرج بنتيجة ملموسة فوراً، لكنني أخرج بتجربة عشتها بكامل وعيي.
حين نحصر حياتنا في الإنجازات، نختزلها إلى سباق أرقام. لكن حين نتحرر من هذا المقياس، نستعيد حرية أن نبطئ، وأن نعيش كل ما نفعل كما هو، لا كما يفرضه علينا سؤال كم أنجزت؟
البطء بوصفه استعادة للسيطرة النفسية
لا يكلف الله نفساً إلا وسعها؛ هو تذكير بأن لكل إنسان طاقته وإيقاعه الذي يناسبه، وأن العيش وفق هذا الوسع هو بداية استعادة السيطرة على النفس.
أدركت أن أكثر ما يسرق مني هدوئي هو ردود فعلي التلقائية في لحظات الضغط. حين أندفع، لا أترك لنفسي فرصة أختار فيها ردة الفعل أو أقيم الموقف، بل أسمح للظرف أو للشخص المقابل أن يتحكم بالمشهد، فأضع نفسي في موقف غير لائق أو موضع ضعف.
البطء الواعي بالنسبة لي لم يعد تباطؤ، بل هو اللحظة التي أستعيد فيها زمام نفسي. ولا ادعي المثالية، فما زلت كثيراً ما أسرع، لكنني أحاول أن أبطئ قدر المستطاع في ردات الفعل، لأن هذه الثواني القليلة تصنع فرق في النتيجة وفي إحساسي بعدها.
عندما أبطئ، كأنني أقول "أنا من يحدد الإيقاع" لا الظرف.
في العمل: أحاول إذا رأيت خطأ أو مشكلة ألاّ أندفع لمعالجتها فوراً أو الرد في اللحظة نفسها. أتنفس، أضعها في حجمها الطبيعي، ثم أختار متى وكيف أتعامل معها. وأعترف أنني في بعض المواقف أنفجر من شدة الواقع، لأن هناك حقائق وتصرفات "تبط الكبد"، وتشعرك بضعف الحيلة أمام مواقف كان يفترض أن تكون على هيئة أخرى، لو أن الطرف الآخر أحسن التصرف أو فعل ما كان ينبغي عليه فعله، أو هكذا أظن.
في الطريق: لم أعد أراقب تطبيق الخرائط بانفعال، وأتنقل بين المسارات بحثاً عن دقائق لوصول أسرع أو إحساس بإنتاجية أعلى. أصبحت أختار المسار المتاح الأمثل وأستمتع بالطريق، أو أستثمره في الاستماع لشيء مفيد أو حتى في الصمت. وفي بعض المرات أستقل سيارة أجرة لأتفادى هذا الضغط تماماً، وأستغل الوقت في إنجاز عمل، أو حضور لقاء، أو إجراء مكالمة، وأحياناً أكتب أو أكتفي بالتأمل.
في المحادثات أو الخلافات: تعلمت أن البطء في الرد يمنحني مساحة أهدأ فيها، وأختار كلمات لا أندم عليها لاحقاً. وفي مواقف كثيرة، يكون البطء سبب في تأجيل الرد حتى أجد أن الحاجة إليه قد انتفت تماماً، أو أن الدافع قد انطفأ. حينها، تقل الخلافات والصراعات والنقاشات التي لا تضيف قيمة دنيوية أو أخروية، خاصة إذا أخرجت حظ النفس من المعادلة وتجنبت الرد بدافع الانتصار لها. وأقول لنفسي: "خلك أعقل"، لا لأني أعقل من الطرف الآخر، بل لأنني أعقل من أن أحمل نفسي ما لا تطيق.
تعريف هذه المواقف واستبصارها بالنسبة لي هو فرصة لتهذيب سلوكي فيها. وكل مرة أختار أن أبطئ بدل أن أندفع، أشعر أنني أضع لبنة جديدة في قدرتي على الحضور والوعي والسيطرة على نفسي، بدل أن أتركها أسيرة لسرعة اللحظة.
وهذه أمثلة فقط، فالمواقف التي تمنحني فرصة للتهذيب أوسع وأعمق مما أذكر هنا، لكنها جميعاً تشترك في أمر واحد: أنها لحظات أختار فيها أن أبطئ بدل أن أندفع.
احترام الأنشطة الممتدة
اكتشفت أن بعض الأنشطة بطبيعتها تجبرني على الإبطاء، حتى لو كنت في أكثر أيامي سرعة وانشغال. أنشطة قد تمتد لساعات، لا يمكن استعجالها أو ضغطها في وقت أقل، لكنها بالمقابل تمنحني تجربة أعمق وإحساس أوسع باليوم.
ركوب الخيل مثلاً، لا يمكن أن أختصره في نصف ساعة. يحتاج أن أهيئ نفسي، أجهز الخيل، أتعامل معه بهدوء، ثم أعيش معه المسار بكل ما فيه من حركة وتوقف وتواصل. الجري أيضا، خاصة لمسافات طويلة، لا يمكن أن يستعجل. هناك إيقاع جسدي وعقلي يجب أن يتناغم، وأي محاولة لتسريعه بشكل مبالغ فيه تفقد التجربة معناها.
التدوين من هذه الأنشطة أيضا؛ أحياناً أجلس لساعات أكتب وأعيد الصياغة وأتأمل الفكرة، دون إحساس بأن علي أن أخرج بنص كامل فوراً. حتى التعلم؛ أن تغوص في موضوع جديد لساعات متواصلة دون أن تفكر في كم بقي؟ أو متى أنتهي؟ هو تدريب جيد على الحضور.
وفي الصلاة كذلك، أنتظر الأذان، أردد وراء المؤذن، أتوضأ وأقول ذكر الوضوء، ثم أمشي إلى المسجد بعد الأذان، أذكر دعاء الذهاب للمسجد، وعند الوصول أضع الحذاء في المكان المخصص، أقرأ ذكر الدخول، أصلي، وأجلس بعد الصلاة لقراءة الأذكار والسنن.
هذه الأنشطة والممارسات الطويلة، سواء في ذاتها، أو بما يسبقها من تجهيز وتهيئة، أو بما يتبعها من امتداد طبيعي، لم تعد بالنسبة لي رفاهية، بل صارت مساحات أستعيد فيها قدرتي على التمهل، وأتذكر أن الحياة ليست كلها مهام قصيرة ونتائج فورية. وكلما انخرطت في نشاط ممتد، شعرت أن اليوم أصبح أوسع، وكأن الزمن يفسح لي مكان لأتنفس.
ومع الوقت، تتحول هذه الممارسات من كونها اختيار واعي إلى عادة طبيعية وأسلوب حياة، حتى وإن مرت هذه الأنشطة أو الأيام التي أمارسها فيها بأوقات أقصر أو حضور أقل. فنحن بشر، لكن مجرد استحضار الفكرة يذكرني دائماً بألا أترك العجلة تسلبني هدوئي.
الانتظار كمساحة للراحة بدل القلق
كنت أتعامل مع لحظات الانتظار كعبء ثقيل، مجرد وقت ضائع يجب أن يمر بأسرع ما يمكن. في المطار، المطعم، المستشفى، أو حتى عند نقاط التفتيش، كانت عيناي على الساعة، وأفكاري تدور حول متى ينتهي هذا الانتظار.
مع الوقت، بدأت أرى أن الانتظار يمكن أن يكون مساحة طبيعية للراحة أو الفائدة، إذا اخترت أن أتعامل معه بوعي. أحياناً استغل هذه اللحظات في المشي وتحريك جسدي بدل الجلوس الطويل، إذا لم يكن الانتظار يتطلب الاصطفاف. وأحياناً أقرأ القرآن أو أفتح كتاب، وأحياناً أخرى أنجز مهمة عمل، أو أستمع إلى كتاب صوتي أو بودكاست. وأحياناً أقوم بتمارين بسيطة تناسب الوقوف أو المشي ولا تلفت الانتباه. وقد أكتفي بالتفكير في فكرة عالقة أو مراجعة مواقف حدثت معي. وهناك أوقات أفتح فيها حديث عابر مع شخص بجانبي، أو أكتفي بابتسامة ومراقبة من حولي.
هذا التغيير البسيط جعل الانتظار يتحول من حالة نفسية مليئة بالرغبة في الهروب، إلى مساحة مريحة لا أحتاج لأن أملأها بالسرعة. صرت أراه جزء طبيعي من تدفق اليوم، لا عائق يعطلني. ومع الوقت، لم أعد أستقبل المواقف التي أعلم أن فيها انتظار بشعور مسبق بالضيق، سواء كانت التزامات تستدعي الخروج بالسيارة، أو سفر، أو زيارة مطعم، أو موعد طبي. لم تعد تلك الحوارات الداخلية والافتراضات التي كنت أختلقها تدور في ذهني: لماذا التأخير؟ أليس من المفترض أن فلان هو الي حاضر؟ ورى هذا الدكتور ما يهتم بالناس؟ ولماذا يتأخر المطعم؟ وهل هذا دوري فعلاً؟ طيب لو استغليت الوقت، ألم أكن لأنجز عمل آخر؟ … كل ذلك تلاشى. أصبح الانتظار جزء من التجربة أقبله بهدوء، فلا يستهلكني قبل أن يبدأ، ولا يفسد علي اللحظة.
خطوتك الأبطأ قد تمنحك المساحة الأوسع
لنتذكر أن البطء الواعي ليس كسل ولا تأجيل، بل هو مهارة وقرار واعي يمنح كل فعل وقته الطبيعي، ويعيد لك السيطرة على يومك بدل أن تسحبك عجلة الحياة.
حين تبطئ في ردود أفعالك، وفي طريقة تعاملك مع العمل، وفي استمتاعك بالطريق مع منح الوصول والنتائج وقتها الطبيعي، أو حتى في ممارستك لهواياتك، فإنك لا تخسر وقت كما يظن البعض، بل تكسب مساحة أوسع للحضور والهدوء.
الإسراع لا يعني التقدم دائماً، بل قد يقودنا إلى قرارات متسرعة نعيدها مرة تلو الأخرى، فنهدر الزمن الذي ظننا أننا نوفره. أما حين نبطئ بوعي، فنمنح خطواتنا النضج الكافي، فتغدو أقل تكراراً، لكنها أسرع في الوصول، وأدق في الأثر.
جرب أن تبدأ يومك بإيقاع أبطأ، وأن تمارس هذا البطء في مواقفك اليومية، وسترى كيف يتسع الزمن حين لا تلاحقه، وكيف تتحول بعض اللحظات التي كانت ضاغطة إلى فرص للراحة أو المعنى.
وفي المحطة التالية من رحلة إدراك الزمن، سنتوقف عند ضبط مستوى التوقعات، وكيف أن التحرر من التوقعات التي نضعها على أنفسنا أو يفرضها الآخرون يخفف صراعنا مع الوقت، ويفتح الباب لعيش أكثر سلاسة ورضا.
إذا وصلت إلى هنا، فشكراً لصبرك وقراءتك


المقال جداا رائع والبطء واحد من المهارات التي اريد اكتسابها يعني انا أحوال لكن ظبط النفس صعب جداا والنسيان أيضا
شكراا 💞
هذا مقال شديد الفائدة، ذكّرني بقول القائل:
لا تعجل فليس الرُّشد في العجلة
والرّأي أفلجُ ما يكون مع المهلة
وهو بيت جيّد، يفسّر انّ السّرعة في بعض الأحيان قد تكون استباقًا على ضرر تحذف جمال الدّرر و تعكّر صفو العبر، و أنّ بالتّمهّل يصحو التّمعّن و يزدهر التّعقّل و يتفاقم التّقبّل. لكنّني مع ذلك، أرى انّ السّرعة مهمّة احيانًا، خاصّة في المواضيع الّتي تتطلّبها، وكذلك الامر للبطء. ما رأيك انت؟ أيّهما يتقدّم؟ وهل هناك اهمّيّة (لا يمكن التّخلّي عنها) للسّرعة؟