عن الإنسان الذي لا يحب أن يستمع
التدوينة الثالثة
أنا بطبعي أقاطع.
كنت في حديث مع صديق، أروي له موقفاً مر بي، بدأ منصتاً في البداية، لكنه قاطعني فجأة، لا تعليقاً على ما قلت، بل ليغير الموضوع تماماً. مدرك أنه لم يقصد التجاهل، لكني شعرت أن الحديث انقطع قبل أوانه، وأن ما كنت أقوله لم يمنح حقه في الاكتمال. توقفت عن الكلام، لكنه لم يلاحظ. انتقل إلى شيء آخر، إلى قصة أخرى. وفي لحظة الصمت التي تلت، تبادر إلى ذهني سؤال بسيط: ليش ما كملنا؟ ليش ما أتممنا القصة؟ وقتها فقط، بدأ يتضح لي أن المشكلة أوسع، أننا لا نحسن الاستماع. لا أنا، ولا هو.
تذكرت فجأة ملاحظات سابقة قالها من حولي مراراً وبطرق مختلفة: "لا تقاطع"، "خلّني أكمل الفكرة"، "شفت كيف تقاطعني؟" وغيرها الكثير.
كنت أظن أنني أنصت، لكن الحقيقة أنني كنت غالباً أنتظر دوري. وحين بدأت ألاحظ هذا الطبع في نفسي، كلما قاطعت أحد، شعرت بشيء من الزعل الداخلي، كأنني خذلت مبدأ كنت أود الالتزام به.
ومع الوقت، صرت أحاول تهذيب هذه العادة، لا قمعها. تعلمت أن أفرق بين المواقف، وأراقب اندفاعي لا لأصنفه، بل لأفهمه:
- أحياناً أستمع لرأي لا أقتنع به، لكنني أختار السكوت احتراماً للحوار
- أحياناً تمر فكرة تخالف قناعاتي، فأختار تجاهلها لأن الوقت أو السياق لا يسمحان بالنقاش
- وأحياناً ببساطة، لا أملك الصبر، فأجد نفسي أقاطع قبل أن أعي أنني فعلت
ومع مرور الوقت، صار فيه صوت داخلي يهمس: "تراك قاطعت… انتبه"
وكنت ألاحظ أن الأسباب تختلف كل مرة:
- أحياناً لأنني أريد تصحيح معلومة
- وأحياناً لأرد أو أوضح شيئاً أراه مهماً
- وأحياناً يكون دافعي هو النقد أو التعليق
- أو لأن الحديث طال وشعرت أنه خرج عن السياق
- أو خشية أن يُفهم الكلام بشكل غير مقصود
- أو لأن الطرف الآخر بدأ يسترسل في موضوع بعيد
- وأحياناً، ببساطة؛ لأن لدي رغبة في أن أتكلم
وفي أحيان أخرى، لا أقاطع بدافع التصحيح أو الإيضاح فقط، بل لأنني أظن أحياناً ولو خطأً؛ أنني أرى الصورة أوضح، وأن لدي الشمولية الأكبر، فأسرع للتدخل، كأنني أنقذ الحديث من مسار لا أراه مناسباً. لا أقول ذلك، ولا أصرّح به، لكنه شعور خفي يدفعني للتدخل، دون أن أتبين أحياناً إن كنت أفعل ذلك لمصلحة الحديث أم لمجرد الرغبة في فرض مسار ما.
وصدقاً، هو صراع داخلي مختلف:
بين الرغبة في الفهم… والرغبة في الكلام
بين التواضع للإصغاء… والاندفاع للتعبير
وأحياناً، لا أشارك، ليس لأنني لا أملك ما يُقال، بل لأن الحديث يحتاج تمهيد، والسياق يتطلّب شرح، والنقاط التي أودّ قولها مرتبطة بالموضوع، لكنها ليست صلبه.
وأشعر أن هذا التمهيد قد يُربك من حولي، أو يُثقِل الجو، وقد يُوهمهم ردي بالتعالي أو بادّعاء المعرفة والمنطق، فأختار الصمت.
لا أعلم، هل هذا استسلام، أم انسحاب، أم حكمة؟
لكنه لحظة من التردّد، ومن خذلان داخلي، لا من فراغ الرأي.
وحين تأملت أكثر، لاحظت أنني لست وحدي، كثير من الناس لا يستمعون فعلًا، بل ينتظرون دورهم في الحديث. لكن ما لفت انتباهي أكثر، هو أن الصمت بين الناس ليس واحد:
⁃ هناك من يصغي بكلّه، بعينيه وقلبه، كأن العالم كله متوقّف ليستمع إليك… وهؤلاء قلّة.
⁃ وهناك من يبدو صامتاً، لكنه مشغول بذاته، ينتظر فقط أن تنتهي ليقول ما لديه… وهذا هو الأكثر شيوعاً.
⁃ وهناك من يصغي ليقاطع، كأنه يبحث عن ثغرة يتسلل منها.
⁃ وهناك من لا يصغي أصلًا، بل يبدأ بالكلام قبل أن تفتح فمك.
وهناك نوع من المقاطعة لا يأتي بصوت، بل بتحويل المسار فجأة. تكون في منتصف قصة، مركز مع ما تقول، وفجأة يُقاطعك الطرف الآخر لا بتعليق، بل بسؤال من عالم آخر، أو بمعلومة لا علاقة لها بما كنت تحاول بناءه. تضيع القصة في لحظتها، ولا تكتمل. وهذا النوع شائع جداً، في الأحاديث العائلية، بين الأصدقاء، أو في المجالس التي تكثر فيها الأصوات وتتداخل القصص.
وغالباً ما تأتي بعدها تعليقات تلقائية:
"طيب ما كملت!"
"يمّه… ما كملت السالفة!"
"ليش ما قاطعتوه؟"
"يا أخي اسكت"
"صك فمك"
… وربما تتجاوز التعليق إلى نبرة حادّة، تختلف باختلاف العلاقة والسياق والمكان.
وهناك أيضاً شكل آخر، أكثر هدوء، لكنه لا يقل جفاءً.
سكوتٌ طويل لا يتبعه سؤال، ولا رغبة في العودة، بل يُفضي مباشرة إلى موضوع جديد، وكأن القصة السابقة لم تكن. لاحظت هذا النوع كثيراً في السفر مع شخص واحد، أو في جلسات الطريق الطويل، حيث تنقطع الحكاية في لحظة سكون، ولا تعود.
في كل ذلك، أشعر أن فينا شيئاً يشبه الإدمان على الانتقال، كأننا في عجلة من الكلام لا تسمح لأي حديث أن ينضج. كما في فضاء التواصل الرقمي؛ ننتقل من فكرة إلى فكرة، من صورة إلى صوت، من سطر إلى آخر دون أن نستقرّ في معنى واحد.
ليست هذه أحكاماً على الآخرين، بل تامل في النفس قبل غيرها. لأن الاستماع ليس مهارة اجتماعية فقط، بل سلوك يدل على حضور، ووعي، وتواضع.
الطبع البشري يميل إلى الكلام، إلى التعبير، وربما إلى الغلبة أحياناً. لكن مع الوعي، يبدأ هذا الطبع يتغيّر. لا يختفي، لكنه يهدأ، ويمنح المجال للصمت. ذلك الصمت الذي لا يعني الغياب، بل الحضور الحقيقي. أن تصمت لا لتستعد للرد، بل لتفهم.
أدركت أن الاستماع ليس ضعفاً. بل احترام لصوت الآخر، ولما في قلبه من معنى.
الاستماع يحتاج إلى صبر، أن تؤجل كلامك، وتترك الحديث يكتمل.
ويحتاج إلى نضج، أن لا تتدخل في كل شيء، ولا تثبت رأيك في كل لحظة.
ويحتاج إلى قوة، لأن من يستمع، يُمسك نفسه، ويقدّم الفهم على الظهور.
ومع الوقت، رأيت أن ما يمنحه الاستماع من فهم وطمأنينة، أعمق بكثير من الراحة المؤقتة التي يمنحها الكلام.
نعم، الاستماع صراع.
صراع بين رغبة داخلية في أن أُرى وأُسمع، وبين صوت آخر في الداخل يهمس بلطف:
"اهدأ… أصغي … واترك للآخر مساحته ليكمل"
ربما لا نولد مستمعين، لكننا نستطيع أن نتعلم الإصغاء، إذا أردنا أن نفهم حقًا، لا فقط أن نتكلم.
اللهم هذّبنا، وهذّب ألسنتنا، واجعل في قولنا صدقاً، وفي صمتنا حكمة.
إن وصلت إلى هنا، فشكراً لصبرك وقراءتك

ماشاء الله تدري وش الي جذبني وخلاني اكمل القراءة وفعلًا حسيته شي ابداعي قدرتك على صياغة الكلام والاسترسال كأن فيه جسر يربط بين عقلك ل يدك اوتوماتيكيا ، نقطة وحده تفرعت واسهبت فيها بشكل يخليني فعلًا أُذهل كيف ان فيه اشخاص قادرين على ترجمة افكارهم يمكن هذا اكثر شي احسه صعب كيف اقدر اعبر عن الفكره الي فبالي واحولها لنص اقوله ومن ثم اكتبها بشكل متكامل، بديت كلامك من موقف حصل اشغل في عقلك لمبه خلتك تفكر واختصرت رحلة التعلم في بضع اسطر وصنفت الافكار ولخصت الاشياء الي تعلمتها ووصلت لاستنتاجات هذي اشياء تصير داخل العقل و من ثم تطلع ك خبره او تعلم ذاتي ، موهبة ماشاء الله .
بس بسأل هل دونت الافكار يوميًا ؟وبالاخير كم قعدت تجمع اليوميات هذي وقدرت تصيغها ك نص ومشكورين
كنت دائمًا تلك الفتاة التي تصغي بصدق
في كل جلسة تضم أصدقائي أو أفراد عائلتي حين يبدأ أحدهم بالكلام أشعر وكأن علينا جميعًا أن نصغي كأنما هو قرار لا خيار فيه.
لكن استماعي لم يكن مجرد صمت أو إتاحة مساحة للطرف الآخر بل كان غوصًا..
كنت أرى من خلال كلماتهم أفكارهم وقصصهم كأنني أشاهد فيلمًا يتكوّن أمامي أو أتابع مسرحية تُعرض دون مؤثرات
حتى أكثر العبارات العفوية التي تُقال بضحك، أو بحماسة، أو حتى بألم، كانت تشكّل في رأسي صورًا ومشاهد.
كنت دائمًا تلك المُصغية التي لا تتحدث كثيرًا إلى أن يلتفت أحدهم ويسألني:
"وأنتِ يا فلانة، وش رأيك؟"
فأنطلق بداية لا نهاية لها.
كل من أنصتُّ لهم باتوا بدورهم يستمعون إليّ
حتى من لم يكن يُجيد الإصغاء، تعلّمه حين وجد من يصغي له بصدق.
حين منحتُ قيمة لحديث الآخرين بدأ من حولي يمنح لقولي قيمة.
لكن… تسارع الحياة وسرعة إيقاعها أضعف فيّ هذه المهارة
كأنني لم أعد أملك تلك السعة الذهنية التي كانت تُمكّنني من الإصغاء كما كنت
وشعرت أن كلما زادت الضغوط والمسؤوليات، تراجعت قدرة الإنسان على الإصغاء بصمت حتى لمن يحب… وحتى لنفسه أحيانًا.
وأنا أوافقك تمامًا..
الإصغاء ليس صمتًا بل حضور
هو أن تسمع لتفهم لا لترد
وكلما امتلأت بكلمات، وتجارب الآخرين
صار لكلمتك أنت أكثر وزنًا وأكثر أثرًا.
تحياتي لك على ما طرحته، وأعتذر على الإطالة، لكنها كلمات خرجت من قلب يُدرك جيدًا ما معنى أن تُصغي.