هل أجيد الحساب لرحلة واحدة لا تحتمل الغفلة؟
التدوينة الثانية عشر
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا" قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا"
يخبرني الحديث أن حق الله علي أن أعبده ولا أشرك به شيئا، وأن لي عنده – بفضله – أن لا يعذبني إن لم أشرك به. وهذا وعد عظيم، لكن النبي ﷺ ختم الحديث بقوله "فلا تبشرهم"
وكأن المعنى: لا تجعل هذا الوعد ذريعة للتكاسل؛ فحتى إن كنت موحد، فإن الطريق إلى الجنة ليس خاليا من الحساب.
طيب وإن عصيت؟
فإما أن يغفر الله لي، أو أن يعاقبني بعدله، لكنني ما دمت على التوحيد لن أُخّلد في النار.
وأقول لنفسي:
"طالما أن مآلي الجنة، فلماذا لا أتساهل قليلاً؟ لماذا لا أفعل ما يحلو لي بقيود أخف؟ أليس الله غفور رحيم؟"
لكني أعرف أن هذا السؤال يخفي ميلاً داخلياً للتساهل، وأعلم أن السيئات تظلم وتثقل القلب، وإن أثقلته، قد لا أعود أبصر الطريق بوضوح، ولا أميز بين ما هو طاعة وما هو هوى، ولا أتنبه لانحرافي التدريجي عن الطريق.
وأعرف كيف يحدث ذلك، أعرفه من نفسي، ومن غيري، من تجارب نمر بها دون أن نسميها:
أرتكب ذنب، ثم لا أتردد في تكراره، وفي كل مرة، ينقص شيء من الحياء في قلبي.
أتأخر عن الصلاة، فأفقد لذتها، ثم أصلي بلا حضور، وأرضى بهذا الخواء وكأنه طبيعي.
أستمع إلى ما يغضب الله، ثم أهمل بلا وعي كلام الله، كأن قلبي أقل قدرة على الاستقبال.
أتمادى في الكسل، في الغفلة، في التساهل، ثم أجد نفسي لا أتأثر بذكر الله كما كنت من قبل.
أغتاب، أو أسيء الظن، أو أساير الناس فيما لا يرضي الله، ثم أستغرب لماذا لا أشعر بالقرب من الله، ولا بطعم الدعاء.
هكذا تُظلم القلوب.
ليس دفعة واحدة، بل أثر يتراكم فوق أثر، حتى يطبع على القلب، كما أخبر النبي ﷺ: (إن العبد إذا أذنب ذنب نُكتت في قلبه نكتة سوداء…)، حتى لا يعرف معروف، ولا ينكر منكر، إلا ما وافق هواه.
أحسب كل شيء وأنسى ما يبقى
أنظر إلى نفسي، وأتفقد التفاصيل قبل شراء شيء له قيمة، وأحسب كل رقم قبل أن ألتزم، وأراجع الشروط خشية الوقوع في ورطة مستقبلية
ثم أنشغل عن قلبي، ولا أسأل نفسي كيف حاله، أبحث عن طمأنينة لعقد دنيوي، ولا أطلب الطمأنينة لما أقدّمه لله
قبل أن أشتري السيارة، جلست شهور أبحث؛ أيها يبقى أطول، أيها أكثر جودة، أيها يعكس ذوقي، أيها تشبهني أكثر، أيها تعكس شخصيتي ومكانتي.
ثم اشتريتها، فرحت بها، ولكن مع مرور الأيام، سيتقادم شكلها في عيني، وستصبح مثل أي شيء مؤقت. ربما لو وضعت هذا التركيز كله في شيء يبقى في قلبي ويقربني إلى الله لكان أنفع، أو على الأقل ليتني أعطي اهتمام مماثل لما يبقى في الآخرة.
حين أبحث عن فندق أو منتجع للسفر، أقضي وقت طويل أقارن الخيارات، وأفكر في الموقع والخدمة، أسأل نفسي هل يناسبني؟ هل يعجب أهلي؟
أضع افتراضات، وأحسب حسابات كثيرة، أيهما أهدأ، وأيهما أجمل، وأيهما أكثر راحة، وكل هذا من أجل أيام معدودة.
لكنني لا أقضي الوقت نفسه، لأُرتب رحلتي الأهم، ولا أُراجع خياراتي مع الله، ولا أحسب للراحة الأبدية كما أحسب لراحة السفر.
حين بدأت مؤشراتي الصحية تتدهور؛ بدأت أعتني بجسدي، منعت نفسي من كثير من المأكولات، والتزمت بالتمارين، وجاهدت رغباتي، وحسّنت نومي؛ كل ذلك لأني أخشى مرض لم يأتي بعد.
فلماذا لا أخشى مرض قلبي؟ ولماذا لا أراقب أفعالي وسلوكياتي؟ ولماذا لا أنتبه لأثرها عليه؛ وعلاماتها التي تقول لي: انتبه، أنت تبتعد.
في العمل، لا أرسل بريد قبل أن أراجعه، ولا أصدر قرار قبل أن أدرسه بشكل مطول، أنتبه لكلمة، لنبرة، لتوقيت، لصورة نمطية؛ لأنني أعلم أن خطأ صغير قد يغيّر الانطباع، ويؤثر على الصورة، ثم على الثقة، ثم على النتائج.
لكن حين أقول شيء لا يرضي الله، أو أتساهل في موقف يضعف قلبي، لا أراجع ما قلته، ولا أفتّش في أثره، ولا أسأل: مالذي خسرته عند الله بهذا التصرف؟
أتراني فعلاً واعياً
أقول لنفسي: أنت تتحدث كثيرًا عن الوعي، وتحب أن توصف بأنك عقلاني، دقيق، تعرف ماذا تريد وماذا تفعل.
لكن، أين أنت من الآخرة؟
أين كانت "عقلانيتك" حين هممتَ بالذنب؟
وحين تكاسلت عن الصلاة؟
وحين تجاهلتَ ما يُثقل موازينك، لأجل شيء يزول بعد دقائق؟
تحسب خطواتك في العمل، وفي علاقاتك، وفي مالك، وفي خططك لخمس، عشر، عشرين سنة قادمة؛ لكن هل حسبت خطواتك إلى الله؟
تحرص ألاّ تخطئ في قرار إداري، أو استثمار، أو نقاش، لكن هل حرصت ألاّ تخطئ في علاقتك بربك؟
أتراك فعلاً واعيًا؟ أم أنك تمارس غفلة مغلفة بالحكمة، تقنعها بالمنطق؛ وتسميها تأجيل؟
إن كنت أزعم أنني رجل يحسب الأمور بعقل؛ فأين حساب العقل هذا حين أُقبل على الله؟
أخشى أنني أدّعي الوعي، وأتظاهر بالحكمة، لكنني لا أمارسهما في أكثر الأمور مصيرية في حياتي.
إن كان وعينا لا يشمل الآخرة، فماذا يشمل؟
أجلس أحيانًا وأتأمل، وأنا أحسب للمستقبل، وأُخطط لأبسط الأمور وأعقدها، وأضع معايير لكل اختيار؛ لأنني أخشى الوقوع في خطأ مالي أو اجتماعي أو مهني، وقِس على ذلك ما شئت.
لكن متى حسبت للوقوف بين يدي الله؟
إن كنت أُجيد الحساب في كل شيء؛ إلا في أعظم أمر
فربما أنا لست ذكيًا كما أظن، وربما أدير حياتي بنجاح، لكنني لا أدير مصيري كما ينبغي.
نعم، نحن ندّعي الوعي، وندّعي العقلانية
لكن أي منهما من نصيب الآخرة؟
أين كان وعيي حين غفلت؟
أين يختفي حين أُخطئ ولا أرجع؟
كيف أحسن الظن بالله ولا أحسن العمل له؟
يا رب
اجعلني رجل يجيد الحساب في ما لا يُعاد، ولا تجعل عقلي حاضر في الفاني، غائب في الباقي.
علّمني أن أخافك كما أخاف الفشل، وأحسب لرضاك كما أحسب للنتائج، وأراقب نيتي كما أراقب نظرة الآخرين لي.
واجعلني ممن يقدّم الآخرة على الدنيا في كل أمره
إذا وصلت إلى هنا، فشكراً لصبرك وقراءتك

ربنا اجعلنا لك ذكارين ، لك شكارين ، إليك أواهين منيبين ، تقبل يا رب توبتنا ، واغسل حوبتنا ، وأجب دعواتنا ، وثبت حجتنا ، واسلل سخائم صدورنا ، وعافنا واعف عنا.
🤍سلمت أنامك