تعلمت بالأمس درس جديد من الحياة؛ تعلمته من موقف بسيط في ظاهره، لكنه أعادني إلى مواقف كثيرة مررت بها في العمل، وفي البيت، وفي السفر، وأثناء ممارسة الهوايات، وفي تقاطعات شتى من الحياة.
اكتشفت أن الإنسان حين يكون في موضع التعلم، أو تنقصه الخبرة والقدرة في أمر ما، قد يصعب عليه تلقي التوجيه. وحين يجد نفسه أمام موقف يفوق قدرته، قد تكون مواجهة شعوره بالعجز أشد صعوبة. قد يكون الطرف الآخر أعلم منه، وأصدق نية، وأشد حرص على فائدته، ومع ذلك لا تأتي استجابته على النحو الذي يتوقعه.
ليست المشكلة دائماً في صحة الكلام، ولا في نية من يقوله. أحياناً تكون الفجوة بين الطرفين هي العائق الأكبر؛ فجوة في المعرفة، أو في سرعة الاستيعاب، أو في طريقة التفكير، أو في الحالة النفسية. وقد يولد التوجيه أو النقاش، رغم صدوره عن حرص، شعور بالضغط أو العجز.
بالأمس وأثناء ركوب الخيل تجسد لي هذا المعنى بوضوح.
لي قرابة ثلاث سنوات مع هذه الهواية، لكنني أمارسها على فترات متباعدة، وما زلت في طور التعلم. كان ابن خالتي يوجّهني بحرص ويعطي تعليمات:
سوّ كذا، وعدّل كذا، اتجه يمين، خلّ ظهرك مستقيم، انتبه لحركتك، الحصان كارّ ولا فارّ؟ نزّل يدك، لا تخلّي العنان مرتخي، لا يتحرك جسمك قدام، لا يختل توازنك … إلخ.
كانت تعليماته دقيقة، لكنها كثيرة ومتتابعة.
كان يقصد يعلمني، ونيته في غاية الصدق، لكنه كان يرى الأمر من زاوية خبير اعتاد الحركة حتى غدت عنده بديهية. أما أنا، فكنت أخوض في داخلي معركة صامتة بين محاولة الفهم والتنفيذ، ومقاومة شعوري بالضغط.
كان صعب علي أن أتلقى كل الملاحظات دفعة واحدة. طريقته وكثرة التوجيهات جعلتني أشعر أنني لا أتعلم فقط، بل أُختبر في نفس اللحظة؛ شعرت أنني مطالب بأن أفهم بسرعة، وأستجيب بسرعة، وأتجاوز ارتباكي بسرعة، بينما لم يكن إيقاعي الداخلي يسير بالسرعة ذاتها.
ولم يكن ما أثقلني مقتصر على كثرة التعليمات وسرعتها، بل مسّ الموقف شيء أعمق في صورتي عن نفسي. ففي مساحات أخرى من حياتي، اعتدت أن أكون أنا من يوجّه ويشرح ويدير النقاش؛ أنا المعلّم أحياناً، وأنا المرجع المعرفي في أحيان أخرى.
وها أنا اليوم، وفي هذا العمر، أنتقل فجأة من موقع المرجع إلى موقع المبتدئ. كان علي أن أهدّئ ذلك الصوت الداخلي، وأن أتقبل أن أكون في موضع من يحتاج إلى التصحيح المتكرر.
وفي تلك اللحظة، وسط زخم التعليمات وتلاحقها، ومضت في ذهني مواقف قديمة. استرجعت لقاءات واجتماعات ونقاشات كنت فيها في الجهة المقابلة: موجّه، أو صاحب فكرة أطرحها، أو محاور أقف في مساحة اختلاف وأحاول إقناع غيري. وتذكرت كذلك المواقف التي حاولت فيها أن أشرح أمر لمن هم أكبر مني سن وتجربة.
تذكرت بطء استجابة بعضهم وتحفظهم وما كنت أعدّه آنذاك عناد أو مكابرة. وتذكرت كيف كنت أستغرب عدم تفاعلهم، وكيف كنت أنسى أنني أنا نفسي لا أحب أن تفرض علي الأفكار، ولا أطيق الشعور بأنني محاصر بالتوجيهات.
بالأمس، وعلى ظهر ذلك الحصان، وجدت لهم عذراً أوسع؛ لأنني ذقت بنفسي صعوبة الاستجابة حين يكون الإنسان في الجهة الأخرى من التوجيه.
وأدركت أننا حين نكون في موضع المعرفة، قد ننسى ثقل التوجيه على من لا يعرف. نظن أن وضوح الفكرة في أذهاننا يكفي لأن تكون واضحة في أذهان غيرنا، وأن صحة الكلام وحدها كافية ليُفهم ويُقبل.
لكنني حين صرت أنا المتلقي فهمت أمراً جوهرياً:
الإنسان في لحظة نقص معرفته، أو حين يُعرض عليه ما يخالف مألوفه، لا يحتاج إلى المعلومة وحدها؛ بل يحتاج إلى مساحة ليفهم، ووقت ليتقبل، وطريقة تحفظ له شعوره وكرامته.
وفهمت أيضاً أن تجاوز هذه الفجوة ليس مسؤولية طرف دون آخر. فكما أن الرفق واختيار الطريقة المناسبة مسؤولية من يتحدث، فإن التواضع والاستعداد للتعلّم مسؤولية من يستمع.
وأحياناً لا يكون الخلل في طريقة الإيصال وحدها، بل في صعوبة أن نفصل بين قيمتنا الشخصية وبين مقدار ما نعرفه في موضوع بعينه؛ فنقبل أن نكون مبتدئين من غير أن نشعر أن مكانتنا مهددة، ونعترف بأننا نجهل أمراً ما من غير أن نرى في ذلك انتقاصاً منا.
ليس كل من لم يستجب معانداً، وليس كل من لم يفهم مقصراً، وليس كل من انزعج من التوجيه أو النقاش رافضاً للفكرة.
أحياناً يكون الإنسان ببساطة مرتبكاً أمام ما لا يعرف، أو مثقلاً بفجوة لا يستطيع عبورها في تلك اللحظة.
لذلك عاهدت نفسي أن أتذكر هذا الدرس في اتجاهيه:
حين أكون في موقع الموجّه أو المحاور، أن أرفق بالناس كما أحب أن يُرفق بي، وأن أراعي اختلاف إيقاعاتنا وطرائق فهمنا، وألا أخلط بين بطء الاستجابة وسوء النية، ولا بين اختلاف الطريقة ورفض الفكرة.
وحين أكون في موضع المتعلّم أو المتلقي، أن أتحلى بالتواضع الكافي لقبول المعرفة ممن يملكها، وأن أحاول الفصل بين قيمة الفكرة وبين قصور الأسلوب، من غير أن أبرر القسوة أو الإهانة.
فاللقاء في منتصف الطريق لا تحققه صحة الأفكار وحدها؛ بل يصنعه إنسان يقترب برفق، وإنسان يتلقى بتواضع، حتى يجد الكلام طريقه بينهما.
إذا وصلت إلى هنا، فشكراً لصبرك وقراءتك

لا أزال أذكر صديقًا مقرَّبًا - حرس الله مهجتَه- أراد أن يعلمني الاصطفاف بالسيارة إلى الخلف (وضعية الـ Reverse)، وذلك في بدايات تعلمي القيادة. وكان المكان غير سهل؛ شارعًا فيه سيارات مصطفّة، وعلى منحدر، وكان ضيّقًا.
المهم أني كنت متعثرا غيرَ فاهمٍ لكل ما يقول وأشعر بالتوتر وببعض الحرج من أنني لا أقوم مباشرة بما يقوله لي، على الرغم من ذلك وجدته في غاية الصبر والحلم، وفي غاية المزاح والابتسام، ولم يعقّد جبينه -واللهِ- ولا لمرة واحدة، ولا أدري لمَ أراد هو ذلك لأنّي لم أطلب أساسًا أن يعلّمني وضعيات الاصطفاف وهو من عرض عليّ وابتدأ بالشرح لأنّه لربّما أدرك أنّها من نقاط ضعفي.
المهم أنه كان لا يرفع صوته، ولا يظهر ضيقًا من تأخّر استجابتي، ولا يشعرني بأنني عبء عليه. ويعيد التوجيه مرة بعد أخرى، وكأن الأمر طبيعي تمامًا. استغرق الموقف نحو نصف ساعة، ومع ذلك لم أشعر منه بلحظة ضجر واحدة.
بصراحة لا أخفي أني كنت في ذلك الموقف أتضايق من أني لا أتعلم بسرعة ولا أستجيب لتوجيهاته سريعًا لكنني عندما انتهيت وعدت إلى المنزل كنت مرتاحًا وسعيدًا جدًا - سعادةً تُشبه سعادة الأطفال :) - وشعرت للمرة الأولى في حياتي أن هذا هو الموقف هو موقف من بضعة مواقف قليلة فقط والتي اُختبر فيه ضعف مهارتي واختبر فيه قلّة إمكاناتي دون أن يتم الحكم عليّ أو على الأقلّ ألّا أشعر بذلك - وإن لم يقصدوه - في نظرات من يعلّمني أو مَن هم حولي التي لطالما صدّت الإنسان عن اختبار الأشياء، والله المستعان.
بعدها بيوم أو يومين قابلته، وعزمتُ أن أبيّن له أثر هذا الموقف البسيط في نفسي لأنّي أحببتُ أن ينتبه للخير الذي فيه لأنّه كان يمرّ بضائقة نفسية كبيرة؛ فبينت له هذا الكلام وأثنيت عليه جدًا وقلت له: لا تدرك كم ترك هذا الفعل الذي فعلته أثرًا في نفسي. وكان يسمع بإنصات وأعجبه ذلك ثم قال لي: هذا تعلمته مع السنين بما أنني أعلّم دائمًا المتدربين -وهو بالمناسبة يعمل كابتن طائرات- فتعلمت أن أصبر على من هم دوني.
المهم هذا موقف بسيط ذكرني هذا المنشور الموفق به، فأقول: لعلّ من أجمل الأمور التي يمكن أن تعرض للشخص في طريق تعلُّمه: أن يرافقه معلم صبور متفهّم لا يحكم عليه مهما أخطأ أو على الأقل يجتهد في ألّا يظهر له الحكم في تعابير وجهه أو انصرافه عنه إلى غيره! ولا أخفي أنّه في أحيان كثيرة يكون من الهشاشة النفسية أن تشترط أن يكون معلمك صبورًا أو رقيقا أو رفيقًا، لكنْ مَن تكون هذه صفاته له أثر في النفس لا يُمحى لا يوازي جميع المعلّمين الذين مرّوا عليك في حياتك وتشعر بأنّك مدين بشكر جميله كلّما تذكّرته.
فوائد عابرة:
لا أُخفي أني أعدُّ من الهشاشة أن تطلب دائمًا معلمًا صبورًا متفهّما غير عجول .. لأنّك أنت من يحتاج المهارات والعلم لا هم .. وأنت من طرقت بابهم لا هم .. وأنت المسؤول عن أثر كلامهم فيك ولست مسؤولًا ابتداءً عن الكلام الذي يمكنهم قوله والأحكام التي يمكنهم إطلاقها عليك. هذا صعب لمن لم يعتد عليه، لكن مع التجارب ومُضي الزمن يمكنك تحمّل ذلك فيقلّ أثر كل حكم عليك.
كم يخسر الإنسان من الخبرات والمهارات بسبب قلة صبر مَن يعلّمه! وكم يخاف مِن أن يجرّب لأنّ علاقته بالتجارب كانت دائمًا مبنية على عدم أمان وخوف من الأحكام وتقليل لقيمته.
من أحلى ملذّات الحياة وأعمقها: أن تخاطر بإظهار هشاشتك فتختبر ضعفك أيًّا كان مجاله، نفسيًا أو مهاريًا أو علميًا أو غير ذلك، أمام شخصٍ تعلم أنّه لك مُحب ولن يؤذيك أو يحكم عليك أو لن تنزل من عينه درجة واحدة!
الحمد لله على كل حال.
ذا نفس الي احس به لاجيت أتعلم شي جديد او هواية، بالعادة انا أكون من يدير الحوار والمرجع، لكن فكرة إني انا من يتلقى المعلومات تبدو لي معقدة و موترة