Discussion about this post

User's avatar
Zaid's avatar

لا أزال أذكر صديقًا مقرَّبًا - حرس الله مهجتَه- أراد أن يعلمني الاصطفاف بالسيارة إلى الخلف (وضعية الـ Reverse)، وذلك في بدايات تعلمي القيادة. وكان المكان غير سهل؛ شارعًا فيه سيارات مصطفّة، وعلى منحدر، وكان ضيّقًا.

المهم أني كنت متعثرا غيرَ فاهمٍ لكل ما يقول وأشعر بالتوتر وببعض الحرج من أنني لا أقوم مباشرة بما يقوله لي، على الرغم من ذلك وجدته في غاية الصبر والحلم، وفي غاية المزاح والابتسام، ولم يعقّد جبينه -واللهِ- ولا لمرة واحدة، ولا أدري لمَ أراد هو ذلك لأنّي لم أطلب أساسًا أن يعلّمني وضعيات الاصطفاف وهو من عرض عليّ وابتدأ بالشرح لأنّه لربّما أدرك أنّها من نقاط ضعفي.

المهم أنه كان لا يرفع صوته، ولا يظهر ضيقًا من تأخّر استجابتي، ولا يشعرني بأنني عبء عليه. ويعيد التوجيه مرة بعد أخرى، وكأن الأمر طبيعي تمامًا. استغرق الموقف نحو نصف ساعة، ومع ذلك لم أشعر منه بلحظة ضجر واحدة.

بصراحة لا أخفي أني كنت في ذلك الموقف أتضايق من أني لا أتعلم بسرعة ولا أستجيب لتوجيهاته سريعًا لكنني عندما انتهيت وعدت إلى المنزل كنت مرتاحًا وسعيدًا جدًا - سعادةً تُشبه سعادة الأطفال :) - وشعرت للمرة الأولى في حياتي أن هذا هو الموقف هو موقف من بضعة مواقف قليلة فقط والتي اُختبر فيه ضعف مهارتي واختبر فيه قلّة إمكاناتي دون أن يتم الحكم عليّ أو على الأقلّ ألّا أشعر بذلك - وإن لم يقصدوه - في نظرات من يعلّمني أو مَن هم حولي التي لطالما صدّت الإنسان عن اختبار الأشياء، والله المستعان.

بعدها بيوم أو يومين قابلته، وعزمتُ أن أبيّن له أثر هذا الموقف البسيط في نفسي لأنّي أحببتُ أن ينتبه للخير الذي فيه لأنّه كان يمرّ بضائقة نفسية كبيرة؛ فبينت له هذا الكلام وأثنيت عليه جدًا وقلت له: لا تدرك كم ترك هذا الفعل الذي فعلته أثرًا في نفسي. وكان يسمع بإنصات وأعجبه ذلك ثم قال لي: هذا تعلمته مع السنين بما أنني أعلّم دائمًا المتدربين -وهو بالمناسبة يعمل كابتن طائرات- فتعلمت أن أصبر على من هم دوني.

المهم هذا موقف بسيط ذكرني هذا المنشور الموفق به، فأقول: لعلّ من أجمل الأمور التي يمكن أن تعرض للشخص في طريق تعلُّمه: أن يرافقه معلم صبور متفهّم لا يحكم عليه مهما أخطأ أو على الأقل يجتهد في ألّا يظهر له الحكم في تعابير وجهه أو انصرافه عنه إلى غيره! ولا أخفي أنّه في أحيان كثيرة يكون من الهشاشة النفسية أن تشترط أن يكون معلمك صبورًا أو رقيقا أو رفيقًا، لكنْ مَن تكون هذه صفاته له أثر في النفس لا يُمحى لا يوازي جميع المعلّمين الذين مرّوا عليك في حياتك وتشعر بأنّك مدين بشكر جميله كلّما تذكّرته.

فوائد عابرة:

لا أُخفي أني أعدُّ من الهشاشة أن تطلب دائمًا معلمًا صبورًا متفهّما غير عجول .. لأنّك أنت من يحتاج المهارات والعلم لا هم .. وأنت من طرقت بابهم لا هم .. وأنت المسؤول عن أثر كلامهم فيك ولست مسؤولًا ابتداءً عن الكلام الذي يمكنهم قوله والأحكام التي يمكنهم إطلاقها عليك. هذا صعب لمن لم يعتد عليه، لكن مع التجارب ومُضي الزمن يمكنك تحمّل ذلك فيقلّ أثر كل حكم عليك.

كم يخسر الإنسان من الخبرات والمهارات بسبب قلة صبر مَن يعلّمه! وكم يخاف مِن أن يجرّب لأنّ علاقته بالتجارب كانت دائمًا مبنية على عدم أمان وخوف من الأحكام وتقليل لقيمته.

من أحلى ملذّات الحياة وأعمقها: أن تخاطر بإظهار هشاشتك فتختبر ضعفك أيًّا كان مجاله، نفسيًا أو مهاريًا أو علميًا أو غير ذلك، أمام شخصٍ تعلم أنّه لك مُحب ولن يؤذيك أو يحكم عليك أو لن تنزل من عينه درجة واحدة!

الحمد لله على كل حال.

Abo_Ahmed454's avatar

ذا نفس الي احس به لاجيت أتعلم شي جديد او هواية، بالعادة انا أكون من يدير الحوار والمرجع، لكن فكرة إني انا من يتلقى المعلومات تبدو لي معقدة و موترة

7 more comments...

No posts

Ready for more?