جداري كان دَلّال المعاني
التدوينة السابعة عشر: عن الحقائق التي تجمعنا والمعاني التي تخص كُلاًّ منّا
في أحد ممرات الحياة، قد نقف أنا وأنت أمام جدار واحد، ونرى حقيقة بسيطة لا تحتاج إلى جدال: هذا الجدار لونه أبيض.
هذه هي الحقيقة المجردة التي يمكن أن نتفق عليها؛ لون الجدار واضح، ووجوده أمامنا لا يحتاج إلى تفسير طويل.
وهذا المستوى من الاتفاق هو ما نحتاجه لنعيش ونعمل معاً؛ أن نتفق على الحد الأدنى من الواقع، وعلى ما يكفي لنمضي في الطريق نفسه دون صراع دائم.
ولذلك، فالمسألة لا تبدأ من اختلافنا في معنى الجدار، بل من قدرتنا أولاً على الاعتراف بوجوده ولونه. فمن يقف أمام الجدار نفسه وينكر لونه أو وجوده، لا يختلف معي في تفسير معناها فقط، بل ينسحب من الواقع المشترك الذي يسمح لنا بالحوار.
كل علاقة صادقة، وكل عمل جاد، وكل مساحة مشتركة بين الناس، تحتاج إلى هذا الحد الأدنى من الصدق مع الواقع: أن نستطيع أن نقول معاً: نعم، هذا الجدار أبيض.
لكن الاتفاق على الحقيقة لا يعني الاتفاق على معناها.
قد ترى الجدار أبيض، وأراه أنا كذلك، لكنني قد أراه جميل جداً، بينما قد لا يعني لك شيء. قد يبعث في نفسي شعور بالهدوء، وقد تراه أنت مجرد جدار يؤدي غرضه. نحن هنا لا نختلف على ما نرى، بل نختلف في ما يعنيه لنا ما نرى.
وهذا الاختلاف طبيعي؛ لأن كل إنسان لا يرى الأشياء بعينيه فقط، بل يراها أيضاً من خلال تجاربه، وقيمه، ومبادئه، وذكرياته، وما يحمله في داخله من اتساع أو ضيق.
لذلك قد يشترك شخصان في رؤية الشيء نفسه، لكنهما لا يشتركان في أسباب تقديره أو الإحساس به.
فمن الصعب أن يرى الناس جمال البيت بالطريقة نفسها، أو أن يشعروا بقيمة النعمة بالميزان نفسه، أو أن يرتبوا الأولويات بالدرجة ذاتها. ما يبدو لك مهم قد لا يكون حاضر في ذهن غيرك، وما تراه أنت واضح قد لا يملك الآخر الأسباب نفسها ليراه بالوضوح ذاته.
من هنا تبدأ الحكمة.
ليست الحكمة في أن أحاول كسر منظور الآخر ليطابق منظوري، ولا في أن أستنزف نفسي بسؤال متكرر: لماذا لا يرون ما أرى؟ بل الحكمة في أن أفهم أن لكل إنسان زاويته الخاصة، وأن اختلاف الزوايا لا يعني بالضرورة أن أحدنا مخطئ والآخر مصيب.
في العمل، قد نتفق على الهدف، لكننا نختلف في ترتيب الأولويات. قد يرى أحدنا السرعة مطلب أساسي، ويرى آخر أن الجودة أولى. وقد يفسر أحدهم سلوك معين على أنه مرونة، بينما يسميه غيره فوضى. وقد يرى أحدهم طريقة معينة في العمل على أنها أسلوب عمل مناسب، بينما يراها غيره مزاجية أو تفضيل شخصي. أحدنا يفرح بتفصيل صغير في نقطة معينة لأنه يعرف أثره، والآخر لا يراه إلا جزء من المهمة.
وفي الحياة الشخصية، قد نرى النعم نفسها، لكن لكل واحد منا طريقته في تقديرها. قد يرى أحدنا في أمر بسيط نعمة تستحق الشكر، فيمتلئ قلبه امتنان لأنه يعرف قيمتها، بينما يمر بها غيره دون أن يتوقف عندها. وقد يرى أحدنا في الهدوء نعمة، وفي الصحة رأس مال، وفي البيت معنى الأمان، بينما يرى غيره هذه الأشياء تفاصيل مألوفة لا تستدعي التأمل.
وفي العلاقات، قد نعيش الموقف ذاته، لكن أثره في كل نفس مختلف. الكلمة نفسها قد تريح شخص، وتقلق آخر. والموقف نفسه قد يراه أحدهم دليل اهتمام، ويراه غيره أمر عادي. قد يرى أحدنا في المجاملة مراعاة واحترام، وقد يراها الآخر غياب في الوضوح والشفافية.
حين ندرك ذلك، تهدأ في داخلنا حرب الإقناع. لا نعود مطالبين بأن يرى الآخرون الصورة كاملة كما نراها نحن، ولا نشعر بالخذلان كلما اكتفى أحدهم برؤية الجدار كما هو.
يصبح الاختلاف أقل إزعاج، لأن لم يعد يربك يقيننا، بل صار جزء من طبيعة الناس.
السكون الحقيقي هو أن أقبل أنني قد أرى في الأمر معنى واسع، بينما يراه غيري بصورة أبسط. وهذا لا يعني أنني أعمق منه، ولا أنه أقل وعي مني. كل ما في الأمر أن المعاني لا تتوزع بين الناس بالطريقة نفسها، وأن لكل إنسان طريقته في الاقتراب من الأشياء.
لذلك نستطيع أن نختلف دون أن نتباعد، وأن نتعاون دون أن نتطابق، وأن نحترم المسافة بين الحقيقة المجردة وبين التفسير الشخصي لها.
يكفينا أحيانأ أن نتفق على لون الجدار كي نبني البيت؛ فهذا هو الحد الأدنى من الحقائق التي نحتاجها لنعيش ونعمل معاً.
أما جمال الزوايا، ومعنى المكان، وشعور كل واحد منا تجاهه، وطريقته في فهمه والتفكير فيه، فكلها مساحات شخصية تختلف من إنسان لآخر، ولا تحتاج إلى انتصار أو إثبات.
إذا وصلت إلى هنا، فشكراً لصبرك وقراءتك

لقد تظهر الإختلافات بين النظريتين بسبب ما قلت. الكلام جميل !