متى شعرت أن جسدي لا يشبه من أنعم الله عليه بالعقل؟ … في السجدة التي لم تكتمل
التدوينة الثانية
ليست كل التحوّلات تبدأ من كلمة، أو من قرار حاسم، أو من نصيحة. بعضها يبدأ من لحظة تعجز فيها عن أداء حركات بسيطة، مألوفة، يُفترض أنها من أسهل ما يقوم بها الجسد.
بالنسبة لي، لم تكن تلك اللحظة أمام مرآة، ولا عند رقم على ميزان، بل كانت في صلاة القيام.
صورة توضّح ما لم أستطع أن أعبّر عنه حينها:
ليلة من ليالي رمضان … الإمام اعتاد أن يُطيل السجود، يدعو، ونحن خلفه نسجد ونرجو. لكنني تلك الليلة، لم أستطع أن أسجد كما ينبغي.
وقبل أن أصل إلى تلك اللحظة، دعني أصف لك المشهد.
الصفوف مصطفّة، والإمام يبدأ القراءة الطويلة في القيام. البدن مثقل أصلاً من طول الوقوف، وكلما طالت القراءة، يبدأ الثقل يتجمّع في الساقين، الركبتان تئنّان، الأكتاف متصلّبة، النفس يضيق شيئًا فشيئًا.
ثم تأتي لحظة الهويّ للسجود … الجسم ينحني تلقائيًا، كما تعوّد في كل صلاة.
لكن ما إن أبدأ بالنزول حتى يبدأ الاصطدام: البطن يقترب من الفخذين، وفي الوضع الطبيعي، المفروض أن الكتفين والصدر ينزلان بسلاسة نحو الأرض.
لكن هنا، تصطدم الكتلة الممتلئة من البطن بعضلات الفخذ، قبل أن أصل إلى نصف الطريق. الركبتان تثنيان بصعوبة، والفخذان لا يجدان مساحة لاحتضان الجسد. البطن يدفع إلى الأعلى، الظهر ينحني لكنه لا يستطيع النزول أكثر. النفس محبوس في الداخل، ليس من ضيق التنفّس فقط، بل من ضغط الأعضاء على بعضها.
الجبهة تبحث عن الأرض، لكن الجسد لا يسمح. أُجاهد لأضغط صدري إلى الأمام … لا يتحرّك. أُوسّع بين ساقي قليلًا … لا فائدة. تصبح الحركة نصف سجدة… نصف اختناق.
ومع كل ثانية يطيل فيها الإمام الدعاء، الركبتان تهتزّان، الأكتاف تشتكي، النفس يتقطّع، وأنا داخليًا أقول بحرقة: لماذا لا أستطيع أن أستقر بين يدي الله؟
ثم، حين أنهض من السجود، لا أشعر بالراحة. لأنني أعلم أن السجدة القادمة قادمة… وأن الجسد، لا القلب، هو الذي يعيقني. لم تستقر النفس كما يفترض لها أن تستقر في أقرب وضعية إلى الله، وكأن جسدي صار حائلًا بيني وبين الخشوع.
وأثناء كل هذا، سألني صوت داخلي سؤالًا لم أنسه حتى الآن: متى شعرت أن جسدي لا يشبه من أنعم الله عليه بالعقل؟
وكان الجواب حاضرًا دون أن أنطق: الليلة.
وأنا أحاول أن أسجد لربي، وأجد أنني لا أستطيع أن أقترب منه لأنني جعلت من جسدي حاجزًا. في تلك الليلة، شعرت للمرة الأولى أنني أسكن جسدًا لا يشبه نعمة العقل ولا نعمة الاختيار. جسد لا يليق بروح تطلب الطمأنينة.
أن أسأل الله القوة، وأنا لا أملك حتى خفّة الجسد بين يديه؟ أن أطلب الراحة، وأنا سبب معاناتي؟
شيء بداخلي لم يكن مرتاحًا. لا لهيئتي، ولا لشعوري، ولا لنفسي. لكنها لم تكن لحظة جلد للذات. بل كانت لحظة مواجهة صامتة، تسبق التحوّل، وكأن السجدة التي لم تكتمل … كانت رسالة كاملة. أدركت حينها أن التغيير لا يبدأ حين تتوفّر الظروف، بل يبدأ حين يخنقك ما أنت فيه بما يكفي لأن تتحرّك.
ملاحظة ختامية:
هذه اللحظة التي وصفتها هنا "السجدة التي لم تكتمل" لم تكن قصة عابرة أو موقفًا ينتهي بانتهاء الصلاة. كانت واحدة من اللحظات التي وضعتني على طريق مختلف؛ الطريق الذي تحدّثت عنه في المدوّنة الأولى. لأن التحوّل لا يبدأ دائمًا من قرار واضح، بل من مواجهة صامتة كهذه … من سؤال ينبثق في داخلك ولا يهدأ حتى تبدأ بالبحث عن إجابته. ولهذا أحببت أن أشاركها هنا، لأعود بها معك إلى بدايات تلك الرحلة التي ما تزال مستمرة.
إن وصلت إلى هنا، فشكرًا لصبرك وقراءتك


بالنسبة لي ، لا يدفعني للتغير سوى الإدراك ، ادرك اني أعاني من خطب اسأل نفسي مالذي وضعني بهذا الموقف لماذا أنا في موقفٍ كهذا وهنا تبدأ لحظة التغيير
اللهم اعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك