حين يذكرك من لا يعلوه أحد
التدوينة التاسعة عشر: عن ذلك الفرح الذي نشعر به عندما نذكر بين الناس وعن الفرح الأعظم حين يذكرنا الله
قرأتُ قوله تعالى: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) فتوقّفت.
لم أتوقف لأن الآية غامضة، ولا لأن معناها بعيد عن الفهم؛ بل لأن معناها عظيم، ولأن المفارقة في حياتنا عجيبة. الله جل في علاه يقول لعباده: اذكروني أذكركم، ومع ذلك، تمر علينا صلوات وأذكار وتسبيحات ودعوات كثيرة، ولا نستحضر هذا المعنى كما ينبغي. كيف يَعِدُني الله أن يذكرني إذا ذكرته، ثم أتعامل مع الذكر أحياناً كأنه عادة لسان؟
تذكرت ذلك الشعور الذي يعرفه كل إنسان تقريباً؛ حين يخبرك أحدهم أنك ذُكرت في مجلس بالخير؛ "تراك مذكور"، أو "جبنا طاريك بخير"، أو تسمع من يقول: "الله يذكر فلان بالخير"، كلمات بسيطة ولكنها تبعث في النفس شعور جميل. تشعر أن حضورك امتد إلى مكان لم تكن فيه، أن اسمك مر في غيابك بصورة حسنة، وأن هناك من تذكرك بكلمة طيبة ولو لم تكن حاضر لتسمعها.
وهذا الشعور يكبر كلما ارتفع مقام المجلس، أو علت منزلة من ذكرك. قد يذكرك كبيركم في منزلكم فيفرح قلبك، وقد يذكرك زميلك في العمل فتشعر بالرضا، وقد يذكرك مديرك أو الرئيس التنفيذي في اجتماع لم تكن فيه فيبقى أثر ذلك في نفسك، أو ربما يذكرك أحدهم في اجتماع العائلة، أو عمدة الحي، أو إمام المسجد، أو صديقك الصدوق في مجلس غبت عنه. وقد يذكرك عالم في مجال تخصصك، أو أستاذ كبير في منتدى عالمي، أو وزير، أو رئيس دولة، أو ملك. كلما علا مقام من ذكرك، عظم وقع الذكر عليك، وربما كان ذلك المجلس مما لا تستطيع الوصول إليه بسهولة، أو لا تملك فرصة الحضور فيه أصلاً، وربما لا يعلم من ذكرك مقدار الأثر الذي تركه في نفسك. ومع ذلك، يكفيك أن تعرف أن اسمك قد ذكر، أو أن طاريك جاء في ذلك المكان، أو أن أحداً أشار إليك ولو إشارة عابرة.
أتذكّر أحد الأصدقاء حين علم أنه ذُكر مرة واحدة في مجلس شخص ذي مكانة عالية في عالمنا الصغير. لم يكن الحديث عنه واسعاً، ولم تكن الكلمات كثيرة؛ كل ما حدث هو أن ذلك الشخص سأل: "من الذي اشتغل على هذا العمل؟"، فقالوا: "فلان"، فامتدح العمل، مجرد علمه بأن اسمه وصل إلى هناك، وأن ذلك الشخص قد عرفه، جعله كلما استعاد الموقف يشعر بشيء من الفخر والسرور. مرة واحدة فقط ذُكر اسمه، ومع ذلك بقيت السعادة تتكرر كلما تذكر.
بل إن بعض الناس قد يفرح أحياناً بأن يذكر حتى بصفات فيها حدة أو غير محمودة؛ كأن يقال عن أحدهم في المجالس: "ترى فلان سليط"، أو "تراه مِلْكَع"، أو "شرّاني"، أو ما يشبه هذه الأوصاف.
ومع أن هذا لا يعتبر مدح طبيعي، إلا أن بعض الناس قد يجد فيه نوع من الرضا الخفي؛ لأنه يمنحه شعور بأنه حاضر، مؤثر، والناس تحسب له حساب. كأن الإنسان لا يريد فقط أن يكون محبوب، بل يريد قبل ذلك أن يكون مذكور، وأن يكون له أثر، و أن لا يمر في الحياة كأنه لم يكن.
وهنا تبدأ المفارقة، إذا كان الإنسان يفرح كل هذا الفرح لمجرد أن اسمه مرّ في مجلس من مجالس الخلق، فكيف إذا كان الذي يذكره هو الخالق جل جلاله؟
كل من علا شأنه من البشر صَعُب الوصول إليه؛ فلكل واحد منهم وقته، وانشغاله، ومواعيده، ومسافته، وحدود الوصول إليه. أما الله جل في علاه، وهو الأعلى والأعظم، ومن يدبّر الكون والخلق، ومن بيده ملكوت السماوات والأرض؛ فباب ذكره مفتوح لك في كل وقت. في بيتك، في طريقك، في صلاتك، في خلوتك، في تعبك، في لحظة انكسارك، في لحظة امتنانك، وفي دعاء لا يسمعه أحد سواه. نبذل الكثير أحياناً ليصل اسمنا إلى مجلس من مجالس الناس، ثم لا نستحضر أن طريق الذكر عند الله مفتوح بكلمة صادقة.
هنا عدت إلى الآية: (فاذكروني أذكركم)، وجاء في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم)، فتأملت المعنى أكثر؛ إذا كنا نفرح بذكر واحد من بشر، في مجلس محدود، وبكلمات محدودة، ومن أناس محدودين؛ فكيف لا نفرح أعظم الفرح بأن يذكرنا الله؟ ليس فقط يذكرنا، بل يذكرنا في ملإ خير، ومن الذي يذكر؟ الله جل في علاه، من لا يعلوه أحد، من إليه يرجع الأمر كلّه.
هنا لا أشبّه ذكر الله بذكر خلقه، ولا أعرف كيفية هذا الذكر؛ فالله أعظم وأجلّ. ولكنني أحاول أن أفهم قلبي من باب الأولى: إذا كان ذكر الناس يملأ النفس سرور، فكيف بذكر الله؟ وإذا كان اسمك حين يمرّ في مجلس من مجالس الخلق يترك فيك كل هذا الأثر، فكيف حين يذكرك من لا يعلوه أحد؟ كيف ينبغي أن يكون وقع هذا المعنى في قلبك حين تستحضره في كل صلاة، وفي كل تسبيحة، وفي كل دعاء، وفي كل ذكر، وفي كل "سبحان الله"، وفي كل "الحمد لله"، وفي كل ثناء خفي لا يسمعه أحد. كلما ذكرته ذكرك، ليست مرة واحدة ثم تنتهي، وليست ذكراً عابراً ثم يمضي أثره، بل باب متجدد؛ كلما دخلت منه، عاد إليك المعنى من جديد.
وهذا ما جعلني أتوقف أكثر. لماذا يكون فرحي بذكر الناس أحياناً أوضح من فرحي بهذا الوعد؟ لماذا يبقى أثر مجلس بشري في الذاكرة، بينما تمر علينا أذكارنا أحياناً كأنها ألفاظ محفوظة لا ننتبه إلى ما وراءها؟ لو استحضر القلب هذا المعنى، لتغيّر شكل الذكر. لن تكون التسبيحة مجرد كلمة، ولا الحمد مجرد عادة، ولا الدعاء مجرد طلب، ولا الصلاة مجرد أداء. سيصبح كل موطن ذكر فرصة لأن تكون مذكوراً عند الله. وهذا وحده كافي لأن يملأ القلب سعادة لا تشبه سعادة المجالس؛ سعادة أعمق، وأبقى، وأكثر استمراراً.
ذكر الناس قد يمنحك لحظة فخر، أما ذكر الله فيمنحك كرامة. ذكر الناس قد يرفع صورتك عند الخلق، أما ذكر الله فيرفع مقامك عند الحق. ذكر الناس قد يبهجك حيناً، أما ذكر الله، إن استحضرته، فإنه يدفعك أن تعود إليه مرة بعد مرة، لا لأنك تؤدي واجب فحسب، بل لأنك عرفت أن في الذكر حياة لقلبك. كلما ضعفت، ذكرت. وكلما ضاقت، ذكرت. وكلما شعرت أنك منسي في زحام الحياة، ذكرت من لا ينسى. فتطمئن أن قيمتك ليست فيما يقال عنك في المجالس، بل فيما يكون بينك وبين الله.
ومن هنا يصبح الذكر سعادة مستمرة؛ تبدأ من لحظة استحضار، ثم تتحول إلى عادة قلب، ثم تصير نوراً يرافقك في الدنيا، حتى يأتي اليوم الذي تلقاه فيه. وحينها، ربما نفهم معنى الفرح الحقيقي: أن تلقى الله وقد كنت تذكره، وكان يذكرك.
فالفرق ليس في أن نُذكر، بل في: من الذي يذكرنا؟
اللهم اجعل ذكرنا لك صادقاً حاضراً، واجعل ذكرك لنا رحمة وتوفيق وقبول، وارزقنا أن نستشعر هذه النعمة في كل صلاة، وكل تسبيحة، وكل دعاء، حتى نلقاك وأنت راضي عنا.
إذا وصلت إلى هنا، فشكراً لصبرك وقراءتك

ذكرك الله بالخير و جزاك خيراً
جزاك الله كل خير 🤲...حرفيا سبحان الله سبحانك ربي 🕊️كنت قد بدأت قراءة هذا المقال منذ ايام و لم انهه و من ثم نسيته صراحةً، لأعود إليه اليوم و بقدرة العليم الحكيم بالوقت المناسب لكل شيء حتى الحروف و الكلمات و تاثيرها علينا فقد كان يجب ان أتم قراءته بعد مجموعة من الأحداث والاسئلة التي جاءت به و كأنه الدواء بالنسبة لما حدث من داء تحت دائرة البحث عن القيمة الذاتية واقصد بها خاصة : تعظيم او انتظار ردود فعل الآخرين للشعور بالرضى الذي ينجر عند ذكرهم و مدحهم او رضاهم على افعالنا او اقوالنا و كثيرا ما كنت أبحث و اعلم يقينا ان الأصل في المصدر هو الله جلى في سماه الا أنني لم ألمس جزئية دوائنا في ذكره لنا في هذه الآية الا عندما استحضرتها اخي الكريم في مقالك هذا و من هنا تكون قد لمست اهم نقطة في الاستغناء الداخلي العام و الاكتفاء المخصوص بالربط الخارجي في حياتك بالذكر بالله بصفة عامة...كل الشكر لك مني اخي الكريم....حليمة 🌿