الماراثون الثالث فوق الجليد… والجدال الذي لا يتوقّف
التدوينة الخامسة
عشاء في الديار
كنت قد قررت، بعد أن أنهيت الماراثون الثاني، أن أشارك في ماراثون ثالث، وربما رابع وخامس قبل نهاية السنة. شعرت أن هذا التتابع لم يعد مجرّد سباقات، بل أسلوب حياة جديد يتشكل داخلي، وطريقة اعبر بها عن التحول الذي بدأ ولا أعلم متى سينتهي.
كنت أبحث عن تجربة مختلفة: ماراثون في مدينة أو دولة لم أزرها من قبل. صارت فكرة الجري مرتبطة في ذهني بالسفر، لا عن قصد، ولكن كأنّهما توأمان لا ينفصلان. أركض … وأرحل … وأسافر… فأتأمل. ومتى اجتمعا، شعرت أنني أعيش الحياة بطريقتي.
حينها كنت في "الديار"، البلدة الصغيرة التي أعود إليها كلما أردت أن أهدأ وأفكر. في جلسة مسائية دافئة يوم الاثنين، كنت مع أخي الأصغر (في العمر لا في القدر) وابن خالي العزيز، نشرب الشاهي بعد العشاء، ونحن نتصفّح مواقع الماراثونات حول العالم ... طلعت لنا خيارات كثيرة، فبدأت أضيق النطاق شيئًا فشيئًا.
كان في بالي أن يكون الماراثون المقبل مختلف:
بعد العيد مباشرة
في بلد جديد لم أزره من قبل
وفي مكان طبيعي بعيد عن ضجيج المدن
وفي أثناء هذا البحث، ظهر لي ماراثون في البلدة البيضاء … بلدة في أقصى شمال الأرض … كأنها خارج الزمن … لم أسمع بها من قبل. صغيرة، بيضاء، تحيط بها الجبال وتغمرها الثلوج. ماراثون يقام فوق سطح بحيرة متجمدة، والمشاركون لا يتجاوزون 1000 مشارك.
كل شيء فيها بدا مختلف … المكان، الطبيعة، السباق، وحتى الصور من النسخ والمواسم السابقة. السماء بيضاء، الأرض بيضاء، الجبال بيضاء … وحتى الوجوه بيضاء. كان الصوت الصادر عن الجري فوق الجليد مختلف، والمشهد كله خارج المألوف.
شدّني أن أغلب المشاركين من كبار السن، وأن أسماءهم وأعمارهم ودولهم تظهر في القائمة … ولم أجد اسمًا يشبه اسمي، لا في اللغة، ولا في الملامح.
سجّلت.
وأصبح رقمي 518 … رقم بلا دلالة، لكنه كان بداية رحلة لا تُشبه ما قبلها.
تغيير في الخطة
على مدى السنوات الماضية، بدأ يتشكل لدي نمط غير مقصود لكنه صار عادة متكررة، بل قاعدة شخصية ثابتة: أن تقسم سفرياتي إلى أربعة أنواع رئيسية؛ سفر مع العائلة، وسفر مع الإخوة، وسفر مع الأصدقاء، وسفر مع النفس.
ومع مرور الوقت، أدركت أن هذا التنوع لم يكن مجرد مصادفة ولا تصنيفًا شكليًا، بل ضرورة داخلية تساعدني على التوازن. لكل نوع منها نكهته الخاصة، وأثره المختلف، ومساحته في النفس.
ولهذا، صرت أحرص ألّا يمر عام دون أن أخصّص فيه سفرة واحدة على الأقل من كل نوع. ربما أتوسع لاحقاً في الحديث عن هذه الأنواع الأربعة، وتجليات كل نوع منها، في سلسلة تدوينات مستقلة عن "السفر".
وكانت بدايتي هذا العام بسفرة من النوع الثالث: سفر مع الأصدقاء.
مع أحد أعزّ أصدقائي الذين تعرّفت عليهم قبل أكثر من عشر سنوات، وما زلت أعتز وأفخر بهذه الصداقة التي نضجت معنا وكبرت بنا.
كانت الرحلة إلى مدينة ضبابية، لا تزال تفاصيلها تتشكّل داخلي حتى الآن. رحلة مميزة جدًّا، لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال داخلي هادئ. أعادت تعريف أشياء كثيرة في داخلي، وأثْرت علاقتي به بطريقة لم أكن أتوقعها.
فتحت أبواب جديدة في فهمي لنفسي، وألقت ضوء مختلف على بعض القرارات والمشاعر. وأظن أنني سأفرد لها سلسلة تدوينات مستقلة لاحقًا … فهي تستحق ذلك بالفعل.
وبقيت لي الأنواع الثلاثة الأخرى من السفر…
كنت قد نويت أن تكون هذه الرحلة التالية لنفسي، هروبًا من التخطيط ومفاجآت المجموعات. أخبرت أحد الأصدقاء بها، لكنه لم يكن حاسمًا. تركت الأمر. ثم، قبل الرحلة بشهر تقريبًا، شاركت أخواتي بالفكرة… لم أجد حماسًا. عدت لهم بعدها بعشرة أيام… لا جديد. ثم قبل السفر بعشرة أيام فقط، طرحت الأمر من جديد، وافقوا … وانطلقت الحكاية.
هكذا، تغيّرت الرحلة من "سفر مع النفس" إلى "سفر مع الأخوات"، وبدون تخطيط دقيق … لكنها كانت من أجمل التغييرات.
ثمانية أيام في “البلدة البيضاء” وما حولها، لم تكن مجرد محطة للجري. بل كانت مساحة هادئة، نستكشف فيها الطبيعة، ونعيد ترتيب العلاقة بالحياة، وبأنفسنا، وببعضنا البعض … في بلد لم يخطر لنا أن نزوره من قبل.
تفاصيل الرحلة
كما ذكرت سابقًا، لم تكن البلدة البيضاء ضمن خططي، ولا كنت قد زرتها من قبل، ولا حتى بحثت عنها. وكذلك كانوا أخواتي. جاءت هذه الرحلة كفكرة عابرة، ثم صارت واقعًا نتشارك تفاصيله. وبعد التأكد من التأشيرات، بدأنا الترتيبات قبل موعد السفر بعشرة أيام فقط.
حجزنا التذاكر، واستأجرنا سيارة تغطّي كامل مدة الرحلة، ثم رسمنا المسار الرئيسي، اليوم الأول والأخير كانا في العاصمة، نقطة البداية والنهاية. أما بقية الرحلة، أماكن لم نسمع بها من قبل ولا يعرفها الكثيرون:
يومان في منطقة غابات على ضفاف نهر جاري، نسكن كوخًا خشبيًا معلقاً بين الأشجار بعيدًا عن المدينة. لا ضوضاء، لا شاشة، فقط صوت جريان الماء ونسيم الرياح … وهدوء لا يشبه المدن.
بعدها، توجهنا إلى أعالي المرتفعات، حيث يُقام السباق على سطح بحيرة متجمّدة تمامًا. قضينا فيها يومان، بين الاستعداد والتأمل في الطبيعة وصمت الثلوج.
ثم مررنا ببلدة صغيرة تشبه الحلم، بقينا فيها يومًا قبل أن نعود مجددًا إلى العاصمة.
وفيما بين هذه المحطات، محطاتٌ أخرى لم تكن في الحسبان:
مرتفعات تلامس السحاب، ثلوج تكسو القمم، شلالات تنبثق من قلب الجبال، ضباب يتراقص على سطح البحيرات، وطرقات ضيّقة تتسلل بين الجبال والماء في مشاهد لا تُنسى.
كان الطقس حكاية أخرى… تراوحت درجات الحرارة بين -5 و15 درجة، وتقلبت الأجواء بين شمس مشرقة، ومطر خفيف، وثلج مفاجئ. رحلة على إيقاع الطبيعة؛ مليئة بالمفاجآت، وفي فوضاها هدوء أعاد ترتيب الداخل.
ورغم أن هدف الرحلة الظاهر كان الجري، إلا أن ما أرويه اليوم ليس قصة سباق فقط، بل لحظة من رحلة مع أخواتي. رحلة بدا فيها كل شيء يمضي بهدوء … ثم فجأة، يركض.
سياق مهم
هذا السباق لم يكن كغيره … سطحه جليدي، وطقسه بارد، ويتطلب أدوات خاصة. الأهم: جزمة مخصصة لهذا النوع من الجري، وملابس ملائمة للبرد والثلج. كنت قد استعددت مبكرًا، وطلبت أدواتي الرياضية قبل السفر بثلاثة أسابيع. لكن مضت الأيام، وأقترب موعد الرحلة … ولم تصل الشحنة. انتظرت حتى اليوم الأخير، ولم تأتي. اضطررت أن أشتري كل شيء من العاصمة عند وصولنا، لكن واجهتني مشكلة جديدة: أغلب المتاجر سحبت الأدوات الشتوية إلى المستودعات، فالموسم في نهايته.
بدأ القلق يزداد … هل منطلق وهدف الرحلة لن يتحقق؟ هل أذهب إلى موقع السباق للمشاهدة لا للمشاركة؟
لكن بعد جهد وتجوال، وُفّقت في إيجاد كل ما أحتاجه. وحين اشتريت الجزمة والعدة المناسبة … كأن شيئًا من الطمأنينة عاد … انتهى التوتّر، وعادت الروح.
كان واضحًا لي: لا يمكن الركض فوق الجليد بلا أدوات. ولا يمكن أن أبدأ هذه التجربة… وأنا مشغول البال.
قبل السباق بيوم
خرجنا من البلدة الهادئة التي قضينا فيها يومين بين الغابات والأنهار، واتجهنا شمالًا نحو موقع السباق. الطريق إلى هناك استغرق أكثر من ثلاث ساعات، فالقيادة بين المدن في هذا البلد محدودة بين 60 و80 كيلومترًا في الساعة، ما يجعل المسافات أطول مما تبدو.
بصراحة، كانت الرحلة مجهدة نفسيًا. لكني لاحظت وربما لأول مرة أن قدرتي على الصبر تحسّنت. أن تقطع أكثر من 1000 كيلومتر في بلد جبلي دون أن يتجاوز عدّاد السرعة 80 … هو اختبار صبر حقيقي.
وصلنا أخيرًا إلى المنطقة التي يُقام فيها السباق؛ قرية صغيرة في أعالي المرتفعات، تعرف محليًا بأنها ملتقى محبي الجليد والمغامرات. وكنت أظن أن السكن سيكون في مركزها، لكن المفاجأة أن موقع الإقامة يبعد 24 كيلومترًا، معظمها عبر طرق جبلية غير ممهدة، مغطاة بالثلوج، ودرجة الحرارة بالكاد تلامس الصفر، رغم أننا في منتصف أبريل.
سكنّا في كوخ خشبي صغير، يبعد عن موقع السباق قرابة 20 دقيقة مشيًا أو ثلاث دقائق بالسيارة. نافذته كانت تطل جزئيًا على البحيرة المتجمّدة، وكأنها تهمس: "أنت هنا… غدًا هو الموعد"
في تلك الليلة، جهزت كل أدواتي قبل النوم. لكن النوم نفسه لم يكن هادئًا. استيقظت أكثر من عشر مرات، والنوم الفعلي لم يتجاوز الست ساعات. كانت كافية بالكاد… لأبدأ اليوم التالي بمزيج من التوتر والترقب.
استيقظت مبكراً، نظرت من النافذة إلى البحيرة، قلت لنفسي: "يا العداء المحترف … وش حادك؟!"
بداية السباق
وصلت إلى موقع السباق قبل بدايته بربع ساعة. كنت قد شاركت في فعالية قصيرة قبلها بيوم، سباق تجريبي لمسافة 5 كيلومترات، فقط لأتعرّف على الأرض الجليدية … سطح لم أجري عليه من قبل.
كل شيء كان مختلفًا: الشمس مشرقة لكنها لا تدفئ، الجبال البيضاء تملأ الأفق، كأنها تراقب بصمت.
الهواء بارد … وصامت .. عدد المشاركين لا يتجاوز 400 … وجوه جديدة … وأصوات قليلة.
نظرت حولي وسط هذا الهدوء، فإذا بالأعلام نصبت، ورأيت علم بلادي قد رفع بين الأعلام، علم المملكة العربية السعودية 🇸🇦.
لحظة غريبة، شعرت فجأة بالمسؤولية، رغم أن السباق فردي، واللحظة شخصية. لكن حضوره حرّك شيئاً في داخلي، شعرت حينها أنني لا أركض باسمي فقط، بل باسم شيء أكبر، شيء يتجاوزني.
هذه اللحظة… البرد، الهدوء، العلم … كانت كافية لتلخيص السباق قبل أن يبدأ.
انطلق السباق.
كنت متجهّزًا.
لكن بعد أول خمسة كيلومترات، كنت في مؤخرة السباق خلف معظم المشاركين … وظللت هناك حتى النهاية.
لا "ريمونتادا"… لا عودة درامية.
كنت أركض فقط… وأفكّر.
الجدال … الصوت الذي لا يتأخّر كثيرًا
بعد الكيلومتر الخامس مباشرة، بدأ الجدال الداخلي … ذاك الصوت الذي لا يتأخر كثيرًا في كل ماراثون:
وش قاعد تسوي هنا؟
وش اللي حادّك؟
وش تحاول تثبت؟
تثبت لمين؟
ليش كل هذا الشقى؟
يا أخي لا أنت محترف … ولا حتى هاوي
في البلدة البيضاء؟ وعلى الجليد؟
وش هدفك أصلًا؟
… وأسئلة كثيرة … داخل رأسي، ولا أجد لها أجوبة منطقية.
هذا الحوار أعرفه جيّدًا. أعرف وقته، ونبرته، ومفرداته.
عادةً ما يظهر بعد أول نصف ساعة، بعد أول خمسة كيلومترات.
لكنه هذه المرة كان أكثر إحراجًا … لأن المكان لا يسمح بانسحاب هادئ. البحيرة واسعة، والمخارج بعيدة، والمحطات قليلة، وحتى إن قررت العودة، فالمشقة ذاتها سترافقني.
تبدأ الأسئلة، ويتصاعد التفاوض الداخلي:
باقي ساعتين ونصف؟
ستة عشر كيلومترًا؟
وأنا ما قطعت إلا خمسة؟
طيب… أرجع؟
لو رجعت، برجع مشي، وبتأخذ ساعة على الأقل.
يعني يبقى ساعة ونص.
تسوى الساعة والنص؟
وش بسوي فيها؟
هل تستحق أصلًا؟
يأخي مضيعة وقت الماراثون
ليش تقول إنها مضيعة وقت؟
يا أخي … أنت مسافر، وش معنى مضيعة وقت؟
السفر يعني وقتك لك، ما هو لازم يكون منتج
أصلاً وش تعريف الإنتاجية؟
لا حول ولا قوة إلا بالله
يعني تقطع آلاف الكيلومترات…
وتوصل هنا، للبلدة البيضاء، عشان تركض خمسة كيلومترات؟
طيب وش بقول لأخواتي؟
وإذا ما كملت… كيف بيكون شعوري؟
وش بسوي باقي الوقت؟
أتفرّج؟
أمشي وسط الثلج؟
أنتظرهم عند خط النهاية؟
ولا أرجع للكوخ وأقول: خلاص، ما قدّرت؟
طيب والعَلم؟ ودي أصوّر معه؟
ينفع بدون أكمل السباق؟
والحل … وش ممكن أسوي فعلًا؟
وش الشيء اللي ما راح أندم عليه بعدين؟
هل أتحمّل التعب وأكمل؟
ولا أتحمّل الندم لأني كنت أقدر وما كملت؟
ايهم أقسى وأصعب؟
ايهم بيترك أثر أطول؟
وش بيكون وقعه علي بعد ما أرجع؟
هل بيكون للجهد ذكرى جميلة أفتخر فيها؟
ولا بيصير التراجع نقطة أبرّرها لنفسي كل مرة؟
في خضمّ كل هذه الأسئلة، قلت في نفسي:
"كمِّل يا رجال"
وحاولت أن أستدعي مقولة سابقة لعدّاء أفريقي كان يقول:
“في الجري ألم… لكن عليك أن تستمتع به، فالألم هنا جميل … "
قلتُها لنفسي، كرّرتها بصوت داخلي، لكن … والله ما تغيّر شيء.
الشعور نفسه … الألم كما هو … لا متعة فيه.
حاولت أحفّز نفسي بالكلام … لكن ما نفَع.
الألم لم يكن جميلاً كما قال والطاقة بدأت تقل.
استمرّ هذا الصراع الداخلي لأكثر من نصف السباق.
لم يكن جديدًا عليّ.
في كل ماراثون، يحدث شيء مشابه:
أبدأ بحماسة، ثم تظهر الأسئلة، ثم يرتفع صوت التشكيك، ثم أتفاوض مع نفسي.
صوت خارجي يوقظ شيئًا داخليًا ويسكت الجدال قليلاً
كنت أستمع إلى بودكاست، أقطع به الطريق الطويل.
وفي أحد أجزائه، قال المتحدث:
"… أنا أقترح أن يكون عندك أربعة أصحاب… مريحين، متفائلين، منجزين … ويكون بينكم لقاء دائم، ترى تضيف سعادة حقيقية …"
فجأة، انكسر الجدال.
تذكّرت أصدقائي الأربعة، الذين جمعتنا الجامعة قبل أكثر من عشرة أعوام ،وما زال لقاؤنا الأسبوعي قائمًا حتى اليوم.
تذكّرتهم … وأنا أركض، وابتسمت.
في وسط الجليد، شعرت بالدفء.
بأنني لست وحيدًا.
وأنّ هذا السباق، وهذه المسافة، ليست عزلة … بل طريق طويل يُذكّرني بمن يرافقني في الحياة.
وهمست في داخلي:
"الإنسان بمن يصاحب… وأنا محظوظ بأصدقائي الأربعة، الذين كلما تذكّرتهم، حمدتُ ربي"
الصبر: القيمة التي لا تُدرّس
بعد تلك اللحظة، عادت الأسئلة، لكن بنبرة أخف، وصار صوت داخلي يسألني:
ما الذي تعلّمه لك هذه المسافة؟ هل الأمر مجرد جري؟
وكان الجواب واضحًا:
الصبر.
الصبر لا يدرس، ولا يلقن، الصبر يكتسب … في ظروف مثل هذه. الصبر يُمارَسً … ويُتعلَّم، من خلال أشياء مثل الجري.
أن تركض في بيئة قاسية، وبرد شديد، وعلى سطح غير مريح، في مكان بعيد، دون أن يكون ذلك جزءًا من مهنتك أو عملك … وأنت لا تملك سببًا مقنعًا إلا الرغبة في أن تستمر … هو تمرين صادق على الصبر.
في مثل هذه اللحظات، لا تجد مفر من التعلم.
التعلم الذي لا يأتي من الكتب ولا من النصائح، بل من التجربة المباشرة.
لم أكن بطبعي إنسانًا صبورًا، لكن الجري علّمني، شيئًا فشيئًا، كيف أتمهّل … كيف أحتمل. ومع كل محاولة، بدأت هذه الفضيلة تنمو داخلي، وتتسرّب إلى حياتي اليومية: في نبرة حديثي، في علاقاتي، في ردّات فعلي، وفي قراراتي الصغيرة والكبيرة.
أدركت أن الجري ليس تدريبًا للجسد فقط … بل تدريب حقيقي على الصبر. ليس في ميدان السباق فحسب، بل في الحياة كلها.
ورغم كل ذلك، لا أزعم أنني أصبحت إنسانًا صبورًا في كل شيء. لا زلت أستعجل أحيانًا، وأضيق من الانتظار، وتفلت مني لحظات التروّي … لكنني صرت أعرف الصبر أكثر، وأعرف كيف أستحضره في بعض المواقف. صرت أملك أدوات أستدعي بها التمهّل … والجري، كان واحدة من هذه الأدوات.
ما بعد الصبر… امتداد التحوّل
لكن الجري لم يعلّمني الصبر فقط.
علّمني الانضباط، والالتزام، والثبات.
قبل عامين، كنت لا أمارس الرياضة، أتحجّج بالوقت والإصابات القديمة. تلك المرحلة خلفت آثارًا صحية ونفسية مزعجة. الجري أخرجني من هذا الركود. علّمني أن الالتزام لا يبدأ بالوقت، بل بالرغبة.
الجري كان أداة … لكنها لم تفتح بابًا واحدًا فقط، بل سحبت خلفها أبوابًا كثيرة. ما أردتُ تغييره في البداية كان وزني فقط. لكن ما حدث أنني وجدت نفسي مضطرًا لتعديل أمور لم أخطط لها أصلًا.
مع الجري، تغيّر كل شيء:
التغذية
كان أول ما اضطررت لتعديله هو نظام أكلي. الكمية، النوع، التوقيت، طريقة وسرعة الأكل … كلها كانت تحتاج إلى وعي جديد. لم أغير كل شيء دفعة واحدة، ولم يكن الهدف أن أصبح مثاليًّا، بل لأنني شعرت بالأثر المباشر: الأكل السيئ يُثقلك، يُتعبك، يُبطئك. والجسم لا يُجامل … إما أن تمنحه ما يحتاج، أو يخذلك عندما تحتاج.
النوم
ثم جاء النوم، ليس كرفاهية بل كشرط أساسي للتعافي.
الركض لمسافات طويلة كشف لي أن الجهد دون راحة يُنهك أكثر مما يُنضج. بعدها بدأت أرتّب نومي، أراقب ساعاته وجودته، لأن التعافي لم يكن ترف بل ضرورة.
العلاج الطبيعي
بعدها، واجهت ما كنت أؤجّله: الإصابات القديمة.
الكاحل، الركبة، الظهر … مناطق ظننت أنني تعايشت معها، لكن الجري فضحها. بدأت بالعلاج الطبيعي، ثم تمارين التقوية، ثم الاستشفاء المنتظم. والنتيجة؟ أنني الآن أفضل من نفسي قبل عشر سنوات. كأن تلك الآلم كانت تصرخ منذ زمن، والجري فقط هو من جعلني أنصت.
التوازن الجسدي
ثم تعلّمت درسًا جديدًا: الجسد وحدة واحدة، لا يمكن فصل جزء عن آخر.
كنت أهمل الجزء العلوي تمامًا، أركّز على الجري فقط. حتى جاء أحد السباقات، وبدأت أشعر بآلام حادّة في الرقبة والكتفين والساعدين. حينها تذكّرت ما كان يردّده دائمًا مرجعي الرياضي، شريكي في الحياة والعمل… شريك يفهم في العمل، ويفهم في الجسد، ويفهمني.
عدت إليه بعد تلك الآلام، وجلسنا جلسة مراجعة هادئة، استعرضنا فيها ما أهملت، وما يمكن إصلاحه.
ومن هناك، أضفت تمارين مخصصة للجزء العلوي من الجسد، مرتين في الأسبوع. ومع الوقت، بدأت ألاحظ تغيّرًا حقيقيًا … في المظهر، وفي الأداء، وفي التحمّل. لم تعد المسافات تؤلمني كما كانت، وصار في الجسد توازن لم أشعر به من قبل.
كل ما فعلته… أنني بدأت.
خطوة صغيرة، جرّت خلفها خطوات أخرى … تجربة تفتح تجربة، وتعديل يقود إلى تعديل … حتى بدأت أشياء كثيرة تتغيّر دون أن ألتفت لها في البداية … عاداتٌ تتشكّل، وأخرى تتبدّل.
والأغرب أن هذه الأبعاد لم تكن غريبة علينا.
كلنا نعرفها: النوم، التغذية، العلاج، التوازن، الحركة.
ونعرف أنها مهمة… وندرك أثرها.
لكننا، في لحظات كثيرة، كنا كالعميان. نراها … ولا نُبصرها.
نسمع عنها، ونعرف نظريًّا أنها مفيدة، لكن لا نعيشها.
ولا نفهم قيمتها إلا إذا عبرنا التجربة، وجرّبنا الانضباط وسط التعب، واتخذنا قرارات صغيرة تتكرر حتى تصبح نمط.
ولو حاولت معالجة كل جانب بمفرده، لما استطعت.
لكن الجري … كان القاطرة. بدأت به، فحرّك كل شيء خلفه.
النتيجة؟
نوم أعمق وأكثر انتظام
مظهر أفضل
تغذية أنضج وأهدأ
علاج لإصابات قديمة كنت أتجاهلها
توازن في جسدي كنت أظنه غير مهم
حركة يومية لم تعد مجرد رياضة… بل أسلوب حياة
في نهاية كل سباق… بداية لسؤال جديد
هل كان هذا كل شيء؟
لا أظن.
لعل الأهم في هذه التجربة هو ما لا يُكتب بسهولة:
الصراعات النفسية، التحوّلات الذهنية، الأسئلة الحالمة، الاستنتاجات العميقة، الجدالات التي تبدأ ولا تنتهي.
كل ركضة … كل سباق هو مساحة تأمل … اختبار … مراجعة … وامتداد لرحلة لم أختر بدايتها، لكنها صارت جزءًا مني.
ربما أعود لاحقًا لأكتب عن كل ماراثون مررت به:
عن أوّل مرة مشيت فيها دون تعب،
عن لحظة المقاطعة التي جعلتني أتأمّل نفسي،
عن تفاصيل صغيرة… فتحت لي أبوابًا نحو وعي جديد.
لكن هذه المرة … كانت الرحلة على الجليد.
وكانت الثمرة: صبرًا جديدًا، ومعنى أعمق، وخطوة أخرى في الطريق.
إذا وصلت إلى هنا، فشكرأ لصبرك وقراءتك

ماشاءالله متحمس جدا لبقية المقالات 🤍
استمتعت جدا بقراءة مقالتك