خِفت… فتفكّرت… فبدأت الأمور تتغيّر
التدوينة الاولى
كل إنسان يمر في حياته بسلسلة من التغيرات بعضها نراها بوضوح وبعضها يمر دون أن ننتبه لها، ما سأكتبه هنا جزء أعبّر فيه عن رحلة داخلية بدأت قبل نحو عامين وما تزال مستمرة. رحلة لم أخطط لها كعادتي، انطلقت بوجهة واحدة ثم توسّعت إلى وجهات لم أتوقعها.
بدأت هذه الرحلة بالتركيز على موضوع الوزن، لكنها لم تبق هناك؛ فقد اتّسعت وتشعّبت مع الوقت، وما تزال تتشعّب. لم يكن جوهرها محصور في الوزن ذاته، بل في السعي إلى الفهم، والرغبة المستمرة في الاستكشاف، حتى لو بدا الطريق ضبابي أحياناً. وكلما فهمت أمرًا، انفتح لي أفق جديد لم يكن في بالي، وبعض ما اكتشفته كان معلومًا لي من قبل لكنني لم أنتبه له، وبعضه كان جديدًا علي تمامًا.
ومن خلال هذه الرحلة، تعلّمت أن أفهم نفسي أكثر، وأفهم الناس من حولي أكثر. ولا أدّعي أنني وصلت للفهم الكامل؛ في كل مرة أظن أنني فهمت، أكتشف أن أمامي ما هو أعمق مما ظننت.
في هذه الرحلة محطات كثيرة واكتشافات صغيرة أظن أنها حسّنت من طريقة عيشي ونظرتي للحياة. أحببت أن أبدأ مدوّنتي بهذه التدوينة العامة لنعود إليها لاحقًا كلما دخلنا في تفاصيل التجربة وسياقاتها.
قبل أن أخطو أي خطوة في هذه الرحلة كان يسكنني شعور داخلي غير مريح وما زال هذا الشعور يزورني أحيانًا لكني اليوم أراه بوضوح ولا أسمح له أن يثقل علي.
كنت مدركًا في أعماقي أنني لا أدرك وضعي الصحي والاجتماعي بوعي كافي، وعلى الصعيد الصحي كانت المؤشرات تمرّ أمامي كالوزن وضغط الدم والكوليسترول وغيرها ولم أكن أتوقّف عند هذه المؤشرات أو أعطيها ما تستحق من اهتمام، وشيئًا فشيئًا أدركت أنني لا أتعامل مع جسدي بمسؤولية أو إدراك حقيقي.
أتذكّر يومًا وقفت فيه أمام المرآة، فرأيت مظهرًا لا يشبه من أنعم الله عليه بالعقل والقدرة والاختيار. كنت أعلم أن مظهر الإنسان وصحته يعكسان عنايته بنفسه، ولكن لم أكن راضيًا عن مظهري ولا عن حالتي.
ومن هنا بدأ القلق… وبدأ الخوف. لم يكن خوفًا عابرًا أو لحظيًا، بل شعورًا داخليًا ثقيلًا دفعني للتوقّف وإعادة النظر فيما أفعله بنفسي. وكان ذلك الشعور واحدًا من أهم المحرّكات الأولى لما جاء بعدها.
البداية الحقيقية:
قبل عامين، كانت حياتي مختلفة عمّا هي عليه اليوم. كنت أعيش في حالة سمنة مفرطة تجعل أبسط الأنشطة اليومية مجهدة ومتعبة. لم يكن متوسط خطواتي اليومية يتجاوز ثلاثة آلاف خطوة، وكنت أشعر بالتعب والألم لمجرّد أن أمشي إلى المسجد القريب من المنزل. في تلك الفترة، لم تكن لديّ هواية أمارسها، ولا متعة حقيقية في أي نشاط اجتماعي. كل شيء كان يبدو ثقيلًا، والحياة نفسها كانت تسير بوتيرة مرهقة ومليئة بالرتابة.
لكن البداية الحقيقية للتغيير لم تكن مرتبطة بالوزن أو المشي أو الهوايات. البداية كانت حين توقّفت للحظة، وجلست مع نفسي، وبدأت مرحلة من التفكير مع النفس والحديث معها.
بدأت أسأل نفسي:
لماذا أتفاعل بهذه الطريقة مع المواقف والأشخاص؟
ما الذي يحرّك مشاعري، وما الذي يدفعني للتصرف بهذا الشكل أو ذاك؟
ما الذي يزعجني حقًا؟ وأي الأشياء تمنحني السلام الداخلي؟
ماذا أحب وماذا أكره؟
والكثير من الأسئلة ولكن هذه الأسئلة لم تكن لها إجابات سريعة، كانت بداية رحلة طويلة من التدوين، والتفكير، والتحليل، والتجربة، وما زالت مستمرة حتى اليوم… وأظنّها ستظل مستمرة.
ومن الأشياء التي ساعدتني كثيرًا في هذه المرحلة وقد أعود للحديث عنها لاحقًا هي المذكرات اليومية. لم تكن مجرد تسجيل للأحداث، بل نافذة لفهم نفسي، لتفريغ أفكاري، ولمراجعة يومي ومشاعري، وللتطوير والتحسين المستمر. لم أكن أدرك حين بدأت الكتابة اليومية أن هذه العادة الصغيرة ستكون واحدة من بذور التغيير الأهم في حياتي. لكنني مع الوقت فهمت أنني لكي أكون نافعًا في هذه الحياة القصيرة، يجب علي أن أفهم نفسي لأفهم الناس، وأكون أقوى لا لنفسي فقط، بل لأستطيع أن أنفع من حولي وأقف معهم بثبات، وكان التدوين معينًا لي على ذلك. في التدوين لم أكن أبحث عن أجوبة نهائية، كنت أستكشف، كل سؤال كان يفتح باب، وكل باب يدخلني في تجربة، وكل تجربة كانت تضيء لي زاوية جديدة. وما زلت أسير في هذه الرحلة… لأن الأسئلة لم تنتهي ولا أظنّها ستنتهي.
التوازن بين الجوانب:
مع مرور الوقت والفهم الذي بدأت أكتسبه، أدركت أنني لا أستطيع التركيز على جانب واحد وأتجاهل بقية الجوانب. بدأت أبحث عن التوازن في أمور كنت أغفل عنها: النوم، والتغذية، والنشاط البدني. صرت أحاول أن أخلق توازن ومقايضات بين هذه الجوانب. لم أكن أسعى لأن أكون مثاليًا، بل أن أكون متّزنًا قدر المستطاع. ومع هذه المحاولة لبناء التوازن، اكتشفت شيئًا آخر غيّر كثيرًا من تعاملي مع الحياة:
أن الهدوء وإعطاء الأمور وقتها وحقّها أمر بالغ الأهمية. تعلّمت أن العمل يحتاج إلى وقته الطبيعي ليؤتي ثماره، وأن الحديث مع الناس له وقته ووقعه. أدركت أن التأخير في السفر، أو تعطّل أمر ما، أو أن اليوم لا يسير كما خطّطت له… ليست نهاية العالم. صار واضح لي أن كثير من الأمور لا تناسب كل الأوقات، وأنه لا يمكنني أن أدير اليوم بأكمله كما أريد. تعلّمت ألا أقاوم كل تأخير أو خلل، بل أن أترك للأشياء وقتها ومساحتها، وأعطي اللحظات حقّها دون استعجال. وهذا الفهم ساهم كثيرًا في تعزيز هدوئي وراحتي النفسية.
كذلك أدركت أن العلاقات ليست أمرًا جانبيًا في الحياة، بل جزءًا أصيلًا منها. فهم العلاقات والناس كان ولا يزال في صلب هذه الرحلة. الناس هم الأهم، ومكانتهم تسبق الأشياء. أحاديثي مع أهلي وأصدقائي ومن حولي لم تعد مجرّد أحاديث… بل أصبحت حياة بحدّ ذاتها.
وفي خضم هذا التغيير، وقفت لحظة وسألت نفسي:
هل تغيّرت الظروف؟
والإجابة كانت: لا.
زاد عمري عامين، نعم.
لكن عائلتي كما هي، وعملي كما هو، وحالتي المادية لم تتغير، كل التفاصيل من حولي تقريبًا بقيت كما هي.
ما تغيّر هو أنا، تغيّرت نظرتي للأشياء، وطريقتي في عيشها، وكيف أكون مع من حولي.
التأثير المتعدّي:
ومع الوقت، اكتشفت فكرة غيّرت طريقة نظرتي للحياة وهي فكرة التأثير المتعدّي.
في الماضي، كنت أركّز على جانب واحد وأسعى للنجاح فيه، معتقدًا أن النجاح في مجال واحد يكفي، أو أن التركيز على جانب واحد خلال فترة من الزمن سيؤتي ثماره. لكنني كنت أجد أن بقية الجوانب تضعف أو تنهار من حولي. اليوم، أدركت أن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة. عندما بدأت ألتفت إلى أكثر من جانب في حياتي، حتى وإن كان ذلك بشكل عشوائي أحيانًا، أصبحت النتائج أفضل في كل جانب، بما في ذلك الجانب الذي كنت أحاول النجاح فيه سابقًا. فهمت أن جوانب الحياة مترابطة، وأن الروابط بينها قد لا تكون معلومة ولكنه مؤثر. فالآن لم يعد ممكنًا أن نركّز على جانب واحد ونهمل البقية، لأن الحياة ليست مجموعة أجزاء منفصلة… بل منظومة واحدة متّصلة.
ما تغير دون أن أطلبه:
عندما تغيّرت رؤيتي من الداخل، بدأت عاداتي تتغيّر تدريجيًا. تحسّن نمط تغذيتي؛ وإن لم يصل إلى المثالية، وازداد نشاطي يومًا بعد يوم، حتى أصبحت أمشي بمتوسط 15,000 خطوة يوميًا، بعدما كنت بالكاد أصل إلى 3,000 خطوة. ومع الوقت، بدأت ملامح جسدي تتغيّر. تجاوزت حالة السمنة المفرطة التي كنت أعيشها، وما زال وزني زائدًا قليلًا، لكنه أقرب إلى الطبيعي مما كان عليه. ولم يعد المشي متعبًا كما كان؛ بل أصبح متعة وهواية تطوّرت مع الوقت إلى الجري، ثم إلى المشاركة في سباقات الماراثون. أن أكمل نصف ماراثون دون تعب، بعد أن كان مجرد الذهاب للمسجد متعبًا، كان شعورًا مختلفًا، ممتدًا، يتجاوز الجري نفسه، ويؤثّر على نظرتي لكل شيء. ولعلّي أخصّص جزءًا مستقلًا من هذه المدونة للحديث عن الجري والماراثونات وما أضافته لي من متعة وتجربة. لكن المهم أن أوضّح أن هذه النتائج لم تكن الغاية، ولم تكن الإنجاز الأكبر. رحلة التغيير بالنسبة لي لم تكن رقم على الميزان أو عدد للخطوات. ذكرتها هنا فقط لأعطي منظور واحد من سياق التغيير. الحقيقة أن ما تغيّر كان أعمق بكثير من هذه المؤشرات الخارجية؛ كان في نظرتي لنفسي، وفي علاقتي مع الناس، وفي فهمي للحياة، وفي الطريقة التي أعيش بها كل يوم.
في الوقت نفسه، اكتشفت شيئًا جديدًا أشعل داخلي الحماس والشغف. كانت صدفة جميلة لم تكن في بالي من قبل. لم يخطر لي يومًا أن أهوى الخيول أو أن أجد نفسي قريبًا منها. لكن حبيبًا وصديقًا وقريبًا عزيزًا فتح لي هذا الباب، واقترح أن أجرب. ومن تلك اللحظة بدأت قصة أخرى … قصة لم تكن مجرد هواية، بل جزء جديد من الرحلة. ولعلّي أفرد لها تدوينة أو أكثر لاحقًا، لأنها تستحق أن تُروى وحدها.
الرضا وتقبّل الناس:
ومع الوقت، ومع هذه الرحلة الداخلية، تغيّرت نظرتي للآخرين أيضًا. خفضت سقف التوقّعات، ولم أعد أنتظر من الناس ردود فعل معينة، ولا أعلّق سعادتي على تصرّف أو كلمة أو موقف. تعلّمت أن أتقبّل كل شيء كما هو، وأن أفرح بما يأتي، وأرضى إن لم يأتي شيء.
واكتشفت أن مصادر الفرح الحقيقية كانت دائمًا أمامي، لكنني لم أكن ألتفت إليها. صرت أستمتع بترتيب غرفتي، باللعب مع الأطفال، بلحظة إنجاز صغيرة في التمرين، باكتشاف فكرة جديدة عن نفسي أو عن الآخرين. صارت الابتسامة العابرة، والحديث الجانبي مع الناس، واستنشاق هواء نقي في يوم هادئ … أشياء تشعرني بالامتنان. فهمت مع الوقت أن جزءًا من سعادتي يبدأ من فهم ذاتي والتقرّب منها، وأن الأحاديث الطيبة مع الناس ليست أمرًا عابرًا، بل نعمة حقيقية. أهلي، أصدقائي، أقاربي … وجودهم وحديثي معهم لم يعد مجرد كلام. بل أصبح احتياجًا، وواجبًا، وجزءًا من معنى الحياة.
الحياة في السعي لا في الوصول:
ومع مرور الوقت، وكل خطوة قطعتها في هذه الرحلة، أدركت أمرًا مهمًا:
أن الحياة ليست في الوصول إلى نقطة نهائية أو تحقيق نتيجة بعينها، بل تكمن في السعي نفسه… في الطريق… في التغيّر المستمر… في أن نستيقظ كل يوم ونسعى لأن نكون أفضل قليلًا مما كنّا عليه بالأمس. كثيرًا ما نظنّ أن السعي ينتهي عند الوصول إلى هدف معين كوظيفة، أو إنجاز، أو مرحلة عمرية، أو حتى التقاعد. لكنني اكتشفت مع الوقت أن التوقّف عند الوصول ليس راحة، بل بداية التراجع، لأن الحياة بطبيعتها لا تتوقّف.
نسمع كثيرًا من حولنا من يقول: “بتقاعد وأرتاح”، أو من تالي: “الحمد لله ما لحّقت على نظام التقاعد الجديد”، وكأن التقاعد نهاية الطريق وبداية الراحة. لكن ما يحدث فعليًا أن التوقّف عن السعي لا يجلب الراحة، بل يترك فراغًا ثقيلًا، فراغًا يجعل الإنسان يبدأ بانتظار النهاية… ينتظر الموت وهو لا يزال حيًا.
التقاعد الحقيقي لا يحدث حين يترك الإنسان عمله، بل حين يفقد شغفه، ويتوقّف عن الفضول، ويتخلّى عن السعي الداخلي الذي يمنح حياته المعنى … حتى آخر لحظة.
وأدركت أيضًا حقيقة لا مفرّ منها:
أن الإنسان، مهما ظنّ أنه قوي ومستقلّ، يبقى ضعيفًا بطبعه. لا يستطيع أن يعيش وحده، ولا أن يواصل السير دون سند. لا بدّ له من قوّة يستمدّ منها طاقته، ومرجع يعود إليه حين يضيع الطريق. لهذا تعلّمت أن أسأل الله دائمًا أن يمنحني القوة والتمكين، وأن أستعيذ به من ضعفي وفقر نفسي وعجزي، وأن يُحيطني بالأخيار الذين يعينونني على الطريق.
ما كتبته هنا ليس سوى جزء صغير من رحلة بدأت قبل قرابة العامين وما زالت مستمرة. أكتبها هنا لأنني أردت أن أبدأ هذه المدونة بنظرة عامة، لنعود إليها لاحقًا كلما دخلنا في تفاصيل التجربة، لنربط بين ما كنت عليه وما أصبحت عليه… وبين الطريق الذي لا يزال ممتدًا أمامي وأمامك، لأن هذه الرحلة ليست لي وحدي، بل لكل من يسير باحثًا عن نفسه وسط زحام الحياة.
كل ما كتبته هنا لم أبحث عنه في الخارج، بل خرج من الداخل؛ من ملاحظات، ومشاعر، ومذكرات، ومن مواجهة صامتة مع نفسي، ولهذا أقول لنفسي ولكل من يقرأ: ما نعرفه قليل، وما زالت الرحلة مستمرة … كما قال الله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إِلَّا قليلا)
إن وصلت إلى هنا، فشكرًا لصبرك وقراءتك

ياماشاء الله فعلا مقالك غير فيني الكثير وفعلا كنت محتاجة نص كهذا لاجد نفسي الضائعة منذ مدة بارك الله فيك ومتحمسة لقراءة كل التدوينات التي لامست قلبي حين مررت بها
لوهلة حسيت اني قاعد اقرا قصة مألوفة. أفهم كل شي مريت فيه ومبروك اجتياز المرحلة الصعبة. أمامك طريق مفروش بالورد إن شاء الله 🤍