حين توقفت الأيام عن الركض
التدوينة الرابعة: مدونة افتتاحية لسلسلة: رحلة إدراك الزمن
هذه السلسلة لم تولد من تأمل فلسفي عابر، ولا من قراءة عميقة في كتب الزمن. بدأت من موقف بسيط، في مكان لا تتوقع أن ينطلق منه سؤال وجودي.
كم مرة سمعت أو قلت جملة مثل:
"يا سرع الأيام!"
"العام انتهى وما حسينا فيه"
"الأسبوع طار وما أنجزنا الي نبيه"
ربما أصبحت هذه العبارات جزءًا من حديثنا اليومي. بل قد تحولت إلى يقين عند الكثيرين:
أن الزمن صار يركض، وأن الحياة أصبحت أسرع مما كانت.
في يوم الجمعة السابع من رمضان في عام 1446 هجري، عند الساعة الخامسة عصراً كنت أقرأ ما تيسر من القرآن وأنا أنتظر دوري عند الحلاق.
حين جاء دوري، جلست على الكرسي، وسألني محمد: شعر ودقن؟ قلت إيه مثل كل مرة ، أغمضت عيناي وبدأ محمد بقص شعري كعادته، ثم فجأة قال:
"تصدق اليوم 7 رمضان؟ مرت بسرعة! كأنها يوم"
اعتدت أن أجيب تلقائيًا: "إيه والله، صادق"، "إيه والله الأيام تركض" … لكن في تلك اللحظة، شيء داخلي منعني لأنني لا أتفق معه. فكّرت للحظة، وأدركت أنني لم أشعر أن الأيام مرّت سريعًا.
استعرضت الأسبوع الماضي في ذهني …
وشعرت أن فيه من الأحداث ما يكفي لثلاثة أسابيع، لا سبعة أيام فقط.
تذكّرت أول صلاة تراويح، وأول سفرة فطور رمضاني.
تذكّرت اجتماعات العمل، وتمرين يوم الأحد والاثنين.
تذكّرت الجري في وادي حنيفة عصر الثلاثاء، ثم من جديد عصر السبت. تذكّرت إحباطي من ردّة فعل أحد العملاء، وسوء تقديري لواجب منزلي ظننته بسيطًا.
تذكّرت النخل التي تأخّرت في زرعته ثلاثة أشهر … ثم زرعته أخيرًا.
تذكّرت ركوب الخيل يوم الخميس، وتذكّرت كيف رتّبت غرفتي بهدوء بعد صلاة الجمعة.
تذكّرت اللعب مع أبناء إخوتي بعد التراويح مساء الاثنين، وتذكّرت ضحكاتهم الصغيرة.
تذكّرت مشيتنا في ممشى الملك عبدالله مع أصدقائي الأقرب، وسحورنا في مطعم "طريب"،
وتذكّرت أشياء كثيرة … لو بدأت أعدّها واحدة واحدة، لما انتهت هذه المدونة، ولأصبحت مجرد قائمة لا نهاية لها.
كل ذلك، في سبعة أيام فقط؟ وكأنها واحد وعشرون يوم مرّت بتفاصيلها … لا بعددها.
كانت طويلة، ممتلئة، هادئة في لحظات، ومزدحمة في أخرى. كأنها ما عادت تركض، بل تمشي على مهل، تفسح لي الطريق كي أمشي معها… لا خلفها.
لكنني، رغم كل ذلك، اكتفيت أن أبتسم له وأقول:
(إيه والله، صادق… الله يختم لنا بالصالحات)
ربما لأن الجواب المعتاد كان أسهل، وربما لأني ببساطة… ما كنت أعرف وقتها ليه كنت أشعر بشيء مختلف. ما كنت مستوعب وش اللي تغيّر فيني، ولا ليه الأسبوع حسيته طويل وممتلئ. ما كنت أعرف إن هذا الإحساس، هو بداية فكرة … بتكبر لاحقًا وتصير سلسلة.
اللحظة التي تغيّر فيها شيء داخلي
ما قاله الحلاق لم يكن غريبًا.
الغريب هو أنني، للمرة الأولى، اكتشفت أنني لا أشاركه الشعور. وهنا بدأ كل شيء. عدت للمنزل وأفطرت مع العائلة وبدأت أطرح على نفسي أسئلة:
- لماذا أصبحت أعيش الأيام بشكل مختلف؟
- ما الذي جعلني أستشعر تفاصيلها بينما محمد يشعر بأنها طارت؟
- هل تغير الزمن؟ أم أن شيئًا داخلي تغيّر؟
جلست عدّة أيام أحادث نفسي وأراجع ما أشعر به. ومع التفكير، ومع مرور الوقت، بدأت أدرك أن هناك عوامل متداخلة تؤثر على إدراكنا للزمن؛ بعضها صغير، لا يكاد يُرى، وبعضها عميق وجذري، يغيّر طريقتنا في رؤية يوم كامل.
عوامل تجعل اليوم يمر كلمح البصر … أو يبدو كمساحة واسعة يمكننا أن نتنفس فيها ونستقر.
لكن ما أدركته لاحقًا، أن هذه العوامل لم تكن أدوات خططت لها كي أبطئ الزمن، ولا كانت محاولات واعية لإدارته أو السيطرة عليه، بل كانت عادات، وطباعًا، وأنشطة، بدأت تتشكل تدريجيًا في مسار رحلتي مع التغيير.
مارستها أحيانًا بوعي، وأحيانًا بلا انتباه، لكنها أصبحت جزءًا من إيقاعي اليومي، ووثّقتها في مذكّراتي دون أن أعرف أنني، عبرها، كنت أرسم لنفسي شيئًا فشيئًا خريطة داخلية لفهم الزمن. خريطة خرجت من دفتر يومياتي، من محاولتي لفهم نفسي، من ارتباكي… وسكينتي… وتجربتي التي ما تزال تتشكّل.
ما الذي تغيّر؟
أدركت أن هناك أشياء كثيرة تغيّرت، وعادات أصبحت جزءًا من يومي وأسبوعي وشهري …
- بدأت أكتب يوميًا أو شبه يوميًا، لا لتوثيق الحياة، بل لفهمها
- صارت لحظاتي أطول، فقط لأنني بدأت أعيشها دون استعجال لما بعدها
- توقفت عن الركض خلف التوقعات، وبدأت أعيش وفق وسعي ... ولو أنني أسقط في هذا الفخ أحيانا
- صارت عباداتي، علاقاتي، أعمالي … تأخذ وقتها في كثير من الأحيان، ليست كلها، لكن أكثرها
- كما أنني في السنة الماضية سافرت كثيرًا، بتنوّع لم أعهده من قبل، وكأن السفر نفسه بدأ يوسّع إدراكي للزمن
- واكتشفت شيئًا أغرب: أن تباطؤ اليوم لا يعني قلة الإنجاز … بل يعني صفاءه.
ولدت من هنا سلسلة "رحلة إدراك الزمن"
هذه السلسلة ليست تعليمية، ولا وعظية، ولا فلسفية.
هي محاولة صادقة لكتابة ما يحدث حين يتوقف الزمن عن الركض … ليس لأنه تغير، بل لأنني أصبحت أعيشه بدلًا من أن ألاحقه.
وفي هذه الرحلة، سأشارك تسع محطات ساعدتني على فهم الزمن من جديد، وإدراكه بشكل أوسع. لم تكن مرتّبة منذ البداية، لكنها تكشّفت لي مع الوقت … بتسلسل لم أفرضه، بل تكون وحده. كان دوري فقط أن ألاحظها، وأتابعها، وأدونها كما هي:
⁃ كيف ساعدني التدوين على استعادة إدراكي للزمن؟
⁃ كيف أصبح التدوين جسرًا بين الماضي والحاضر والمستقبل؟
⁃ كيف تغيّر إدراكي للزمن … فأصبحت أكثر هدوءًا؟ حتى وأن كان البعض يراني "نار شابة"
⁃ كيف جعل تنويع الأنشطة الأسبوع أطول وأغنى؟
⁃ لماذا كان الاستغراق في اللحظة هو الطريق الوحيد للعيش؟
⁃ كيف جعلتني التوقعات العالية أرى اليوم أقصر مما هو عليه؟
⁃ كيف أصبح الإبطاء الواعي طريقًا للهدوء لا للعجز؟
⁃ لماذا يستحق إيقاع الحياة الطبيعي أن يُحترم لا أن يُختصر؟
⁃ وكيف أعادني السفر وتغيّر المكان إلى الشعور بالزمن كما لم أشعر به من قبل؟
لمن هذه السلسلة؟
أولًا… هي لي.
لأني كنت عدّاء غفلة، أركض ولا أعرف ما الذي أطارده، ألاحق الوقت كأنه يهرب، حتى تعبت من ملاحقته، وبدأت أبحث عن طريقتي في العيش معه… لا خلفه.
أن أرافق الزمن لا أن أطارده، أن أتنفس اللحظة لا أن أستهلكها.
هي لي، لأني أريد أن أصف ما مررت به، وأمنح ما شعرت به اسمًا وشكلًا، حتى يكون لي تفسير، أو على الأقل مساحة لفهم ما يحدث.
ثانياً … لكل من يشعر أن الأيام تفلت منه،
لكل من يعيش الركض ولا يعرف إلى أين،
لكل من تمرّ به الحياة بسرعة لا يقدر حتى على تذوّقها،
ولكل من يودّ أن يعيش الحياة وهي تحدث،
لا وهو يفكّر فقط فيما بعدها.
دعوة هادئة
لا أعد بأن هذه السلسلة ستُوقف الزمن … لكنها قد تجعلك تتوقّف للحظة، تتفكّر في الأمر، تخاطب نفسك، تنظر إليه، تفهمه، وتعيد الإمساك بخيوطه… بهدوء.
ولعلّك، في لحظةٍ تشبه تلك التي حدثت لي عند الحلاق،
تكتشف أنك أخيرًا بدأت تعيش الزمن … بدلًا من أن تمرّ عليه.
قبل النهاية… لنتأمل
هل الزمن تغيّر؟ أم إدراكنا له هو ما تغيّر؟
منذ أن اكتشف البشر الساعة وطريقة قياس الوقت، لم يتغير شيء في تعاقب الليل والنهار، ولا في عدد الساعات في اليوم. كل يوم لا يزال يحتوي على أربع وعشرين ساعة، لا أكثر ولا أقل، تدور الأرض بنفس الوتيرة، وتشرق وتغرب الشمس في مواعيدها. لكن إدراكنا للوقت يختلف تمامًا بحسب نمط حياتنا. كثيرون يشعرون أن الزمن يتسارع، بينما آخرون يعيشون وكأن الأيام أطول … وأهدأ… وأكثر اتساعًا.
فهل المشكلة في سرعة الأيام؟ أم في طريقة عيشنا لها؟
في الخاتمة…
ربما لم تكن هذه المحطات واضحة حين كنت أعيشها. لم أكن أقول لنفسي: "ها أنا الآن أبطئ الزمن"، أو "هذا أحد مفاتيح إدراكه". كانت خطوات صغيرة، تتكرّر وتتراكم، دون ترتيب، ودون نية للتأطير. وحين جلست أراجع، بدا أن هناك خيطًا يربط بينها.
لكنني تساءلت بصدق:
هل أنا أصف ما حدث حقًا؟ أم أنني فقط أرتّب التجربة الآن لأمنحها شكلًا… فأصدّقها؟ هل هذا تأطير متأخر لتجربة عفوية؟ أم أن هذا هو الفهم كما يحدث غالبًا: أن ترى لاحقًا ما لم تكن تراه أثناء العبور؟
هل هو تحوّل؟ أم وهم؟ هل أنا فيه أقرب إلى الحقيقة، أم أنني فقط أبتعد عن ضوضاء الوهم؟ أم أنه شيء بينهما…
حالة هدوء لا تدّعي اليقين، لكنها تتنفّس بعمق.
لا أملك إجابة حاسمة. لكني أكتب لأتأمل، لا لأشرح. وأصف هذه المحطات، لا لأقدّم خريطة نهائية… بل فقط لأتتبع بهدوء ما كان يتكوّن داخلي
إذا وصلت إلى هنا، فشكراً لصبرك وقراءتك

لا مستني كل كلماتك ✨احببت تعلمك من الموقف وتعليمنا عنه لطالما كنت انتظر لحضات الاكون سعيدة كنت أؤمن ان نتيجة هيا سعادة لكن اختلفت رؤيتي حين معرفتي ان المرحلة التي كنت اتصارع فيها وانجر من اجل نتيجة تلك هيا المغامرة الحقيقية العيش كل لحضة وبكل حب هي السعادة الحقيقة
🤍